الموارد البشرية الصحية: الحلقة المفقودة في إصلاح القطاع..

في الوقت الذي يطمح فيه المغرب إلى تعميم التغطية الصحية وتحقيق العدالة الاجتماعية في الولوج إلى العلاج، يواجه واقعاً مقلقاً: نظام صحي قد يمتلك التمويل، لكنه يفتقد لمن يُشغّله.

فالتحدي الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في توفير الموارد المالية أو تعميم التأمين، بل في مواجهة الخصاص الحاد في الموارد البشرية الصحية، الذي قد يُفرغ كل هذه الإصلاحات من مضمونها.
فالأرقام اليوم صادمة، بل ومقلقة…

بلد يتجاوز عدد سكانه 38 مليون نسمة، لا يتوفر إلا على حوالي 25 إلى 30 ألف طبيب، أي بمعدل لا يتجاوز 7 أطباء لكل 10 آلاف نسمة، في حين أن الحد الأدنى الموصى به دولياً هو ضعف هذا الرقم على الأقل، بل إن بعض الدول تتجاوز 30 طبيباً لكل 10 آلاف نسمة.

أما وضعية الممرضين وتقنيي الصحة، فهي أكثر هشاشة، حيث لا يتجاوز عددهم جزءاً بسيطاً مما هو مطلوب لضمان خدمات صحية لائقة.

وتشير التقديرات إلى أن المغرب يعاني من خصاص يفوق 40 ألف طبيب و60 ألف ممرض وتقني صحي، وهو عجز كبير ينعكس بشكل مباشر على جودة الخدمات الصحية.

وهذا يعني ببساطة أن المنظومة الصحية تشتغل اليوم بأقل من نصف طاقتها البشرية الضرورية.

خصاص بالأرقام… ومعاناة في الواقع

الحديث عن الخصاص ليس مجرد أرقام جامدة، بل هو واقع يومي يعيشه المواطن:

🔹 مواعيد طبية تمتد لأشهر
🔹 اكتظاظ شديد داخل المستشفيات
🔹 ضغط مهني كبير على الأطر الصحية
🔹 تفاوت صارخ بين المدن والقرى

في بعض المناطق، قد يضطر المواطن إلى قطع عشرات الكيلومترات فقط من أجل فحص بسيط، أو انتظار ساعات طويلة للحصول على خدمة صحية أساسية.

الأسباب الحقيقية للأزمة
هذه الوضعية ليست وليدة اليوم، بل نتيجة تراكمات، من أبرزها:

🔹 ضعف الطاقة الاستيعابية لكليات الطب والمعاهد
🔹 هجرة الأطباء والممرضين نحو الخارج بحثاً عن ظروف أفضل
🔹 غياب تحفيزات كافية للعمل في المناطق القروية
🔹 ضغط مهني كبير وظروف عمل صعبة

والأخطر من ذلك أن المغرب يفقد سنوياً مئات الأطباء، في وقت هو في أمسّ الحاجة إليهم.

هل يكفي تعميم التغطية الصحية؟
تعميم التأمين الإجباري عن المرض خطوة إيجابية ومهمة، لكنها تطرح سؤالاً جوهرياً:

من سيقدم العلاج إذا لم يكن هناك عدد كافٍ من الأطباء والممرضين؟

فالحق في العلاج لا يتحقق فقط بالبطاقة الصحية، بل يتطلب طبيباً حاضراً، وممرضا مؤهلا، ومؤسسة صحية مجهزة.

نحو حلول واقعية ومستعجلة
أمام هذا الواقع، لم يعد التأجيل ممكناً، ولم يعد الإصلاح خياراً، بل ضرورة وطنية مستعجلة.
ولمواجهة هذا التحدي، لا بد من قرارات جريئة، من بينها:

🔹رفع عدد الخريجين عبر توسيع كليات الطب والمعاهد، والرفع من عدد المقاعد بشكل مدروس.

🔹تحسين ظروف العمل من خلال توفير بيئة مهنية محفزة تحفظ كرامة الأطر الصحية وتحد من الهجرة.

🔹تحفيز العمل في العالم القروي عبر امتيازات مادية واجتماعية حقيقية.

🔹استقطاب الكفاءات المغربية بالخارج بوضع برامج تحفيزية لإعادتهم أو الاستفادة من خبراتهم.

🔹إعادة توزيع الموارد البشرية بشكل عادل يضمن التوازن بين الجهات.

خاتمة
إن إصلاح المنظومة الصحية لا يمكن أن ينجح دون استثمار حقيقي في العنصر البشري.
فالمستشفيات يمكن بناؤها، والتجهيزات يمكن اقتناؤها، لكن الطبيب والممرض لا يُصنعان في يوم واحد.

وإذا لم يتم تدارك هذا الخصاص بشكل عاجل، فإن كل الإصلاحات، مهما كانت طموحة، ستظل ناقصة، وقد تتحول إلى وعود يصعب تحقيقها على أرض الواقع.

الدكتور // نورالدين البركاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *