الناظور : الناقد امحمد امحور يكتب:حفريات الذات والكون في ديوان(حوريات بقدم الكون)للشاعر جمال أزراغيد

يحفل ديوان (حوريات بقدم الكون)للشاعر جمال أزراغيد بعوالم شعرية مندغمة في الذات في علاقتها بالكون إلى حد التماهي،وهي تشي برؤيا شعرية،تحاور لغة الحوريات،وماتنطوي عليها من دلالات عميقة،تلملم التشظي والانشطار على مستوى الذات،في علاقتها بالأنثى الرمز(ليليت)،أو هي حورية بقدم الكون،تتفاعل مع الذات الشاعرة في أبعادها الإنسانية والكونية. والأنثى الرمز لم تكن إلا ذاتا منتزعة من الذات الشاعرة،وهي تشبه إلى حد بعيد النجمة الأم المخبأة في أديم الليل،أوتلك التي مضت تنقب بالحفر في أرخبيل الذات المترعة بفواكه الوجود،بهدف استشراف آفاق رحبة لامرأة جميلة تسير بقدم الكون،وتتفاعل بشكل إيجابي مع ثيمات وموضوعات ذاتية،في تعالق بديع مع الطبيعة،والوجود،والكون،(السبت،اليد،الينابيع،الهديل،الحياة، الوجود،النجم،الظل،الضباب،الأسرار، الألوان،الريح،الوطن،الحروف،البحر،القبر….).وثيمات تتمحور حول امرأة تنسجها الذات الشاعرة،في تعالقه الإبداعي مع الطبيعة الخلابة الفيحاء،كاشفة عن أسرارها،وخباياها،وأحلامها الوردية الجميلة متلمسة محيا الينابيع،وهي تشم روحها على إيقاع ناي الخريف،توجهها مقصدية خاصة تتجلى في إثارة مفاتن الحياة ومباهجها. إن المرأة التي تتغياها الذات الشاعرة لحظة البوح الشعري الجميل تتجسد في صورة شعرية باذخة،تتماهى مع ذلك النهر الذي يصب خريره في ثقوب الناي،أو هي الجلنار الذي يكبر في صدر هذه الذات،وهي تبحث عن لحظات البناء،وتحقيق الوجود بعد الوجود. إن اللغة الشعرية في هذا الديوان تتفاعل مع الذات الشاعرة في تعالقها مع الأبعاد الإنسانية والكونية والوجودية،بهدف إعادة رسم ملامح الواقع،واستشراف آفاقه الرحبة مع الفضاءات الممكنة، فالشعر في هذا السياق سفر دائم في أرخبيل الذات ومتاهات اللغة وفلسفة المجاز، والانزياح،في زمن معولم لا يفهم لغة الشعر باعتبارها لغة التواصل في زمن اللاتواصل،ولا غرو إن اصطدم القارئ بانزياحات لا حصر لها،قد تستفز القارئ الذي لم يستوعب مواضعات قصيدة النثر،وقد تؤثر في شريحة واسعة من القراء الذين يحلمون بغد أفضل للشعر،بوصفه كائنا وجوديا يغوص عشقا في أعماق الصخور،ويستنجد بأيد الماسكين بخيط نور،وترتيب الأسماء في العيون الحالمة.ولعمري هذا ديدن القارئ النموذجي الذي ينطلق من ذخيرة فكرية باذخة. إن الذات الشاعرة،وهي تؤسس لميثاق شعري حداثي،ترغم القارئ المفترض على أن يهيم في عشق الوطن والاحتفاء به. (جميلة مثل أرض لم تبتلعها الريح ساعة مطر) إنها ذات شاعرة تمد القارئ بقواعد سياقية لا توجد بالضرورة في أرخبيل النص الشعري،وترغمه على بذل مزيد من الجهد،والحفر ،في هذا الارخبيل الممتد في الذاكرة والجسد،للظفر بوطن جميل يملأ الكيان والوجدان،ولن تستعيد هذه الذات توازنها الطبيعي إلا بفعل القراءة التي تفك شفرة اللغة الانزياحية الميسرة لعملية الحفر،والنبش في الذاكرة والطبيعة والكون. والذات الشاعرة تستحضر قارئا مفترضا قد تمثل القواعد السياقية،وامتلك ناصية القريض،وشحذت أدوات القول الشعري(الإيقاع الداخلي تحديدا)لمحاورة المتلقي الذي لا يعدو أن يكون من ورق على مستوى الإبداع،ولكن طموحه في التلقي والتأويل يكبر على امتداد الصفحات لينبري هو الآخر لهموم الذات والوجود والكون .وهذا الحفر في الذاكرة ،عبر الحوار بين الذات الشاعرة والذات المنتجة للخطاب الشعري(المتلقي)،زود هذا السجل الشعري بعوالم طافحة بالجمال،والحسن،والبهاء؛ عوالم تتغنى بهموم الإنسان أينما وجد.
الناقد: د. امحمد امحور


