الناقد امحمد امحور يكتب عن شعرية الأشواق في ديوان (نقش على الأمواج) للشاعر مصطفى نجمي وردي


أهداني الشاعر مصطفى نجمي وردي ديوانه (نقش على الأمواج)بتاريخ 31دجنبر 2020،اعترافا بمحبة ومعزة وإيخاء ومودة،والديوان صادر عن مطبعة ووراقة بلال بفاس سنة2020. وكنت قد وعدت الشاعر بقراءة هذا العمل ووضعه على مشرحة النقد.ووعد الحر دين عليه. آثرت أن أعنون هذه المقالة بشعرية الأشواق لأن الانزياح يبدأ من أول عتبة في الديوان وهو العنوان(نقش على الأمواج). والانزياح اصطلاحا في النقد الحديث هو استعمال المبدع للغة مفردات وتراكيب وصورا،استعمالا يخرج بها عما هو معتاد ومألوف بحيث يؤدي ما ينبغي له أن يتصف به من تفرد وإبداع،وقوة جذب وأسر. والشاعر مصطفى نجي وردي اختار عن سبق إصرار أن يتجاوز المألوف ويتخطاه في تركيب العنوان بصيغة الجملة الإسمية التي تبتدئ بنكرة،متمردا على مسوغات النحاة العرب،وهو يعي ما يقصده من هذا التركيب الانزياحي؛وهو إثارة المتلقي وشد انتباهه للإلتفاف حول تجربته الشعورية المحتفية بالجمال ،والنقش على الأمواج شعرا يعد تجليا من تجليات هذا الجمال الذي يسعى من خلاله للتأثير في المتلقي وتكسير أفق انتظاره؛ ذلك أن المبدع هنا يقلب القواعد اللغوية المتواضع حولها ليركز على النقش كرؤيا شعرية تسري في شريان هذا السجل الشعري المكون من ثلاثين مقطوعة شعرية؛وفر لها مساحات إبداعية للبوح والتلميح بدل التصريح.وكل مقطوعة شعرية لا تقل سطورها عن الستين وقد تتجاوزها بقليل،قد تبدو مشتتة وفاقدة للخيط الناظم ،إلا أن انتظامها في حقلين دلاليين( الطبيعة والمرأة)أضفيا على السجل الشعري برمته شعرية الأشواق.والشوق في هذا السياق مرادف للعشق والهيام،وبث الروح في ثنايا اللغة في مستوياتها الصوتية والإيقاعية،والصرفية،والتركيبية، والدلالية ،والبلاغية. إن الذات الشاعرة يتنازعها الشوق،وحب الطبيعة ومفاتنها إلى درجة التماهي. فالذات الشاعرة تتحكم في انغماسها في ذكريات المرأة والنقش على الأمواج.وهذا التحكم يعد تجليا من تجليات وتمظهرات الانغماس في عشق الطبيعة( في ليل هادئ وساكن،وقت هجير،صمت النجوم،ضياء القمر،زمهرير تشرين،قطرات المطر،تغسلني الأنواء….)إنها ذات متصلة بشكل مباشر بالطبيعة ومنفصلة عن ذكريات المرأة في الوقت نفسه،على الرغم من اعتراف الذات الشاعرة بحب المرأة وسعيها للاتصال بذكرياتها شعرا(أغتسل بلألأة عينيك،ببريقها،أتكحل بغمزاتك الشريدة،دعيني أتنسم بماء الشوق،أقول لك أعشقك،جئتك أحمل الأشواق….).ولا غرو إن أحست الذات الشاعرة بالانتشاء والحبور أثناءالاتصال بالطبيعة،واكتفت بالتلميح لهذا الانفصال غير المرغوب فيه(ذكريات المرأة)خاصة عندما تتواطأ الذكرى مع الرغبة في العشق.وهو ما تلخصه الذات الشاعرة في سطر شعري من طراز السهل الممتنع(أنت البعيدة القريبة مني)،هذا السهل الممتنع الذي يسري في جسد هذا السجل وروحه على مستوى اللغة المجازية،في جمل قصيرة تكتفي بالتلميح ،واللبيب بالإشارة يفهم، وهي تتغيى الانزياح التركيبي البلاغي.(-وعيناك تراقصني-عندما أهواك-ابلل روحي بروحك-أتعطر بغيم الانتشاء…).وعلى هدي شعراء الغزل اقتفت الذات الشاعرة الأثر،وتغنت بالليل،والعينين،والنجوم ،والقمر،والفؤاد،..(أبلل روحي ببريق عينيك،أحرقت أوردتي،صمت النجوم. .)وفي لحظة العشق الصوفي تتقمص الذات الشاعرة هيجان البحر،ويصبح هائجا متمردا على لغة التواصل،ويضفي عليها سمات دلالية انزياحية يتفاعل معها المتلقي كما يتفاعل مع أشعار الغزل العذري العفيف باعتباره ذخيرة إبداعية قد تسعفه لعقد تواصلات مع انزياحات العشق وشعرية الأشواق،ورفقا بالمرأة الذكرى تنفتح الذات الشاعرة على الاشواق والذكريات في لحظة الإنشاد الشعري الجميل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *