بين الإقبال على الله اختياراً والإقبال اضطراراً: دروس في التواضع وزوال غرور الدنيا..

أريفينو : 27 دجنبر 2025

هناك فرق كبير وعميق بين إنسان يقترب من الله وهو في كامل صحته وعافيته، وبين من لا يتذكر خالقه إلا عندما تضيق به السبل وتدهمه المصائب والأمراض. الأول يعبد الله حبا وامتثالًا واعترافًا بفضله، أما الثاني فيعود إليه مضطرًا بعد أن خذلته الدنيا وتلاشت أوهامه.

أن تذكر الله وأنت قوي، صحيح الجسد، مطمئن النفس، غارق في مسؤولياتك وأعمالك… فذلك دليل وعي وإيمان راسخ. لأن الإنسان في لحظة القوة قد يظن أنه مكتف بذاته، وأن النجاح والجاه والمال من صنع يده، فيغفل عن أن كل نعمة هي عارية مستردة.
إن العبادة في زمن العافية تربية للنفس على الشكر والتواضع، وبناء لعلاقة مستقرة مع الله لا تهزها الظروف ولا تعصف بها المتغيرات. فهي عبادة نابعة من قناعة داخلية، وليست مجرد رد فعل للخوف أو الألم.
أما الإقبال عند الشدائد… فهو تذكير لا بدّ منه، والغريب أن بعض الناس يسخرون من المتعبدين الذين يذكرون الله صباح مساء، ويستحضرونه في كل حين، ويعتبرون ذلك مبالغة أو ضعفًا… ولكن ما إن تصيبهم مصيبة -مرض عضال، خسارة قاسية، أو ضربة موجعة في الحياة- حتى تجدهم أول الملتجئين إلى الله، وأكثرهم دعاء وخشوعا.
حينها يفكرون في العمرة أو الحج، وفي الصدقة والدعاء والبكاء بين يدي الله… وكأن الشدائد تكشف هشاشة الغرور وتعيد الإنسان إلى حجمه الحقيقي.
والحقيقة أن هذا الرجوع ليس عيبا، بل نعمة، لكن المؤلم أن يظل الإنسان غارقا في الغفلة ما دام في صحة وقوة، ويؤجل توبته إلى لحظة الاضطرار.

رسالة إلى كل من ابتلي بالغرور والكبرياء…
إلى من يظن أنه خالد في الدنيا…
إلى من يعيش في وهم الجاه والمنصب والمال…
إلى من يتعامل مع الآخرين بتعالي، ويعتبر العبادة شأن “الضعفاء”…
تذكر:
الصحة تزول، القوة تضعف، الجاه يتبدل، والناس التي تصفق لك اليوم… قد تنساك غداً، ولا يبقى معك إلا عملك وقلبك وإيمانك.
الدنيا ليست دار إقامة، بل محطة قصيرة، وكل ما نعيشه فيها قابل للتغير في لحظة واحدة. كم من قوي أصبح ضعيفا… وكم من مغرور أصبح منكسرا… وكم من غني أصبح يبحث عن لحظة راحة لا يستطيع المال أن يشتريها.

نصائح صادقة لمن أراد النجاة من وهم الدنيا:

اقترب من الله في وقت العافية قبل الشدة،
اجعل العبادة عادة يومية لا ظرفية،
لا تسخر ممن يذكر الله… فربما سبقك بصدق نيته
راجع قلبك بين حين وآخر… فالغرور يتسلل بصمت،
تذكّر الموت لا للتشاؤم… بل لتصحيح المسار
تواضع مع الناس… فمن تواضع لله رفعه

الشدائد ليست إلا رسائل رحيمة توقظ القلوب، لكن المؤمن الحكيم هو من لا ينتظر المصيبة حتى يعود إلى الله، بل يعيش حياته بعقل متوازن، وقلب خاشع، وروح متصالحة مع خالقها.
الإيمان ليس لحظة خوف… بل مسار حياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *