بين المصادفة والانتقائية: لغز تغييب نساء غرب آسيا وإبراز نساء عرب إفريقيا في لقطات المباريات

أريفينو : 9 دجنبر 2025
ابراهيم ادريسي
في عالم البث الرياضي، لا تكتفي الكاميرا بنقل مجريات اللعب؛ بل تصنع سردية كاملة عن المجتمعات التي تظهر على الشاشة. ومع انطلاق كأس العرب فيفا قطر 2025، برز سؤال يطرحه المتابعون بإلحاح:
لماذا تُظهر اللقطات النساء من جماهير شمال إفريقيا بشكل متكرر، بينما تكاد تُغيّب نساء غرب آسيا؟
هل هو مجرد صدفة إنتاجية، أم انتقائية بصرية تعكس رؤية معينة لما يجب أن يظهر للجمهور المحلي والعالمي؟
ما يبدو للوهلة الأولى تفصيلاً بسيطًا يتحوّل، عند التأمل، إلى ظاهرة بصرية تحتاج إلى قراءة متأنية.
1. نمط متكرر… وليس حالة معزولة
عند متابعة المقابلات التي يكون أحد طرفيها منتخبًا مغاربيًا، تظهر النساء في المدرجات في لقطات متعددة: لقطات قريبة، تعبيرات وجوه، انفعالات، ابتسامات، أو حتى لقطات عابرة لكنها متكررة.
في المقابل، عندما يكون طرف المباراة منتخبًا من غرب آسيا، تختفي النساء من الشاشة بشكل شبه كامل، حتى عندما تكون المدرجات مختلطة وواضحة للعيان.
تكرار هذا النمط يجعل من الصعب اعتباره مصادفة بحتة.
2. قراءة في عقل المخرج: أي صورة يريد أن ينقلها؟
المخرج التلفزيوني لا يلتقط الصور بشكل عشوائي؛ بل يختار ما يناسب “السرد” الذي يريد تقديمه.
وهنا يمكن فهم الظاهرة ضمن ثلاث فرضيات:
أ) حساسية ثقافية تجاه ظهور النساء في غرب آسيا
قد يفترض فريق البث أن تصوير النساء في مدرجات الخليج أو الشام “غير مناسب”، حتى لو لم تكن هناك تعليمات رسمية بذلك. فيتحول الحذر إلى رقابة ذاتية.
ب) استسهال تصوير النساء في شمال إفريقيا
بما أن الجمهور المغاربي يُنظر إليه كجمهور أقل “تحفظًا”، تصبح اللقطة النسائية جزءًا من “المشهد المتوقع”، فيتم استعمالها بكثرة دون تفكير.
ج) السعي لإبراز الاختلاف بدلاً من الوحدة
من خلال التركيز على عنصر نسائي في منطقة معينة، وإخفائه في منطقة أخرى، تساهم الكاميرا في تشكيل انطباع غير متوازن عن العرب:
جزء يبدو منفتحًا بصريًا، وجزء آخر يبدو محافظًا أو غائبًا من الشاشة.
وكل ذلك يخلق صورة نمطية، حتى لو لم تكن مقصودة إطلاقًا.
3. الرسالة البصرية… أخطر من الكلمات
الصورة لا تقول فقط من يظهر… بل تقول أيضًا من لا يظهر.
وحين يرى المشاهد الدولي أن نساء شمال إفريقيا جزء واضح من المشهد، بينما تختفي نساء غرب آسيا، فإن دماغه يشكّل—دون وعي—سردية كاملة عن الاختلافات داخل العالم العربي.
هذه السردية قد تؤدي إلى:
ترسيخ تصنيفات ثقافية غير عادلة
إبراز الفوارق بدل المشتركات
خلق إحساس بالاستهداف أو التمييز عند الجمهور المغاربي
تعميق فكرة أن هناك “صورة رسمية” لمنطقة وصورة مختلفة لأخرى
وهكذا تتحول الرياضة من مساحة وحدة إلى مرآة لانقسام بصري غير مبرر.
4. هل هي إهانة مبطنة؟
لا يمكن الجزم بوجود نية للإساءة، ولكن النتيجة البصرية تحمل أثرًا معنويًا واضحًا:
لدى المغاربيين: شعور بأن الكاميرا تستغل حضور نسائهم لجذب الانتباه.
لدى أهل غرب آسيا: انطباع بأن ظهور نسائهم “يجب” ألا يكون جزءًا من المشهد العام.
هذا النوع من الانتقائية، حتى لو كان غير مقصود، يعتبر تمييزًا ناعمًا داخل الخطاب الإعلامي.
5. كيف نصل إلى عدالة في الصورة؟
الإصلاح لا يتطلب قرارات معقدة، بل فقط:
– وضع معايير موحدة لتصوير الجمهور
تجنب استهداف فئة دون أخرى
التعامل مع كل المدرجات بطريقة واحدة
إدراك أن الصورة جزء من الهوية، وليست مجرد لقطات عابرة
عندما تكون القاعدة واضحة، تتقلص مساحة الاجتهادات التي تنتج الانحياز البصري.
الخلاصة: الكاميرا ليست بريئة… لكنها قابلة للإنصاف
قد لا يكون المخرجون يقصدون التمييز، وقد لا تكون هناك تعليمات رسمية، لكن النمط موجود، وتأثيره واضح، ورسائله تصل—حتى لو لم تُكتب بالكلمات.
والسؤال اليوم ليس “من نلوم؟”، بل:
كيف نضمن أن تكون الكاميرا عادلة للجميع، وأن تعكس تنوع العرب بدل أن تضخّم الفوارق بينهم؟
فالرياضة توحّد…
والصورة يجب أن توحّد أيضًا.