بين زلات التصريحات والجالية

أريفينو.
بقلم / ابن الناظور ..الدكتور : حسن بلعربي.

أثارت التصريحات غير الموفَّقة التي صدرت عن السيد رياض مزور، وزير التجارة والصناعة، في حق الجالية المغربية المقيمة بالخارج موجة واسعة من الجدل والاستياء. بعض المسؤولين يقعون أحياناً في فخ الشعبوية أو الارتجال، فيُطلقون تصريحات متسرعة قد تبدو لحظية أو عفوية، لكنها تترك آثاراً سلبية عميقة. وما حدث مع السيد الوزير ليس حالة معزولة في العالم السياسي. فالتجارب القريبة في المنطقة تقدم لنا أمثلة عديدة على تصريحات غير محسوبة لمسؤولين كبار.
ومن الأمثلة تصريحات رئيس الحكومة المغربي الأسبق السيد عبد الإله بنكيران، الذي اشتهر أحياناً بخطابه العفوي والمرتجل خلال اللقاءات المباشرة أو التجمعات السياسية، أو من صالون منزله. فقد أدلى في أكثر من مناسبة بتصريحات أثارت جدلاً واسعاً داخل المغرب وخارجه، بسبب طابعها الشعبوي أو لأنها قيلت دون حساب دقيق لتداعياتها السياسية والإعلامية.
ومثال آخر لا يبتعد كثيراً عن هذا السياق، يتمثل في تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الذي يقع بدوره في الكثير من الزلات الكلامية خلال تدخلاته العلنية. ومن أبرز ما أثار الجدل حديثه عن مشروع لتحلية كميات هائلة من مياه البحر الأبيض المتوسط. وقد أثارت الأرقام التي قدمها تبون بشأن تحلية مياه البحر موجة واسعة من السخرية، عقب تصريحاته أمام ملوك ورؤساء الدول والحكومات خلال إحدى دورات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.
هذه الأمثلة تذكرنا بأن التصريحات المباشرة قد تكون سلاحاً ذا حدين. فالمسؤول عندما يتحدث في بث مباشر دون تحضير كافٍ، قد يقول كلمات لا تعكس بالضرورة موقفاً مدروساً، لكنها تتحول بسرعة إلى مادة إعلامية مثيرة للجدل.
لقد خرج السيد الوزير بعد الضجة وقدم اعتذاراً للجالية المغربية، موضحاً أن تصريحاته أُسيء فهمها. قد يكون الاعتذار خطوة إيجابية، لكنه في الوقت نفسه يبرز خطورة الكلام في المباشر إذا لم يكن محسوباً بدقة. فالوزير، بحكم موقعه، مطالب بأن يكون متزناً في كلامه، وأن يزن كلماته قبل أن ينطق بها.
في العمل السياسي، ليس المطلوب الإكثار من الكلام أو البحث عن الأضواء الإعلامية، بل المطلوب هو العمل والإنجاز. فالحقائق على الأرض هي التي تتحدث، وليس التصريحات. وربما يكون الكلام القليل والواضح أفضل بكثير من الإطالة التي قد تفتح الباب لسوء الفهم أو التأويل.
ومع ذلك، لا بد من الإقرار بأن أداء الوزير في مجال الصناعة حظي بتقدير واسع، وأن المغرب حقق خلال السنوات الأخيرة تقدماً ملحوظاً في هذا القطاع. كما يجدر التنويه بأن هذه النجاحات تندرج ضمن رؤية استراتيجية كبرى يقودها جلالة الملك، وهي رؤية انطلقت منذ سنوات وتواصل تنفيذها عبر جهود عدد من المسؤولين الذين تعاقبوا على تدبير هذا القطاع.
لكن ما لفت انتباهي في هذه القضية هو عدم تدخل المجلس الوطني لحقوق الإنسان بالمغرب، الذي التزم بالصمت ولم يدافع عن هذه الجالية التي تشكل رافعة اقتصادية واجتماعية وثقافية أساسية للمغرب. وهنا أطرح سؤالاً مشروعاً: أين يقف هذا المجلس إزاء حقوق الجالية المغربية المقيمة بالخارج؟ هناك حقوق دستورية أساسية ما زالت موضع نقاش منذ سنوات، أبرزها حق التصويت المباشر للجالية في الانتخابات من بلدان الإقامة، وهو مطلب طالما نادت به الجالية دون أن يجد طريقه للتطبيق الكامل.
كما ثمة تساؤلات أخرى لا تقل أهمية: أين المؤسسات التي يفترض أن تمثل المغاربة بالخارج؟ إلى أي مرحلة وصل مشروع تأسيس المؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج؟ وما مصير ملف تجديد مجلس الجالية المغربية بالخارج، الذي يبدو وكأنه يسير منذ سنوات دون رؤية واضحة أو أفق محدد؟
ولا يمكن الحديث عن حقوق الجالية دون الوقوف عند المعاناة اليومية التي يواجهها العديد من المغاربة أثناء عبور الحدود، سواء عبر سبتة أو مليلية، حيث تضطر عائلات كثيرة للانتظار لساعات طويلة في طوابير مرهقة، وفي ظروف غالباً ما تفتقر إلى أبسط الخدمات، مثل المرافق الصحية أو أماكن الاستراحة.
هذه المشاهد تتكرر كل عام، وخصوصاً خلال فترات العبور الصيفية، ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى الاهتمام العملي بأوضاع الجالية، بعيداً عن الخطابات الرسمية.
إن الجدل الذي أثارته تصريحات الوزير يشكل فرصة لإعادة فتح نقاش أوسع حول علاقة الدولة بجاليتها في الخارج، ليس على مستوى الكلمات والتصريحات فحسب، بل من زاوية السياسات العملية، والحقوق، وحفظ الكرامة. فالجالية لا تسعى فقط إلى عبارات طيبة، بل إلى إجراءات ملموسة تعكس تقدير الوطن لأبنائه أينما كانوا.