روبورتاج: مقلع أولاد ستوت بالناظور… مواجهة مفتوحة بين المستثمر و السكان

المستثمر يشكو وضع عراقيل في طريقه والمحتجون يطالبون برفع الأضرار ووقف المشروع
يطوق بعض المحتجين آليات ومعدات حملها مستثمر إسباني معه إلى موقع المقلع بجماعة أولاد ستوت بإقليم الناظور. منذ أشهر يتكرر هذا المشهد وتضطر الشاحنات الضخمة والجرافات إلى العودة أدراجها، وتتدخل عناصر من السلطة المحلية والدرك الملكي لدعوة مالك الشركة إلى الانصراف إلى حال سبيله، حتى لا تتطور الأمور إلى ما لا تحمد عقباه…
فما الذي يدفع بالضبط هؤلاء إلى مضايقة هذا المشروع إذا لم يكونوا أصحاب قضية عادلة؟، وما هي قيمة التراخيص وغيرها من الوثائق التي منحتها الجهات الوصية والأداءات المالية التي دفعها المستثمر في خزينة الدولة، إذا لم يكن بمقدوره مباشرة الأشغال في المقلع؟.
«الصباح» تقدم تفاصيل المواجهة الدائرة حول هذا المشروع ووجهات نظر مختلف الأطراف بخصوصه في «الربورتاج» التالي:
المحتجون رغم قلة عددهم يتسلحون بالأعلام الوطنية واللافتات، ويضربون حصارا كل مرة على الممرات المقابلة للطريق الرئيسية، يعتبرون أنفسهم أصحاب حق، وأن معركتهم سوف لن تنتهي إلا برحيل «الأجنبي» الذي حل بالمنطقة في غفلة من الجميع ليستغل أراضيهم.
هذه الأجواء المتوترة والمخاوف من وقوع منزلقات تصاحب حلول المستثمر الإسباني كل مرة تمهيدا للانطلاق في الأشغال، إذ لا يتورع بعض الغاضبين في عرقلة مرور آليات ومعدات العمل ويفرضون باستمرار طوقا مشددا على كل من يحاول الاقتراب من المنطقة المقررة لإحداث المقلع…
من الجماعة إلى المحكمة
توجد بعض عناصر الجواب بين طيّات محضر الدورة التي عقدتها الجماعة القروية لحاسي بركان في 28 فبراير 2013، إذ تقدم عضو بمقترح أدرج ضمن أشغال دورة المجلس، وتمت المصادقة على توجيه ملتمس إلى الجهات المعنية لاتخاذ كل ما من شأنه رفع تلك الأضرار التي قد تمس سكان دوار يقع في دائرة نفوذها الترابي.
لكن الخلاف بين الطرفين لم يبق حبيس جدران الجماعة ومناقشات الأعضاء، بل وصل إلى القضاء الإداري، إذ سيتقدم العضو نفسه برفقة أشخاص آخرين برفع دعوى أمام المحكمة الإدارية بوجدة، بحجة افتقاد قرار الترخيص الممنوح للمستثمر الاسباني لأسسه القانونية وضوابطه البيئية.
هذا الفصل الجديد في الصراع تحول بسرعة إلى مواجهات ومناوشات تدور رحاها على أرض الواقع، بعدما قالت المحكمة الإدارية كلمتها في الموضوع خصوصا وأن الحكم جاء محبطا للعديدين ممن كانوا يعلقون الأمل على وقف المشروع عن طريق القضاء.
الجدل الذي يحيط بمشروع إحداث المقلع يضرب بكل الوثائق القانونية التي يتسلح بها ممثل الشركة والحكم الذي أصدرته المحكمة الإدارية لصالحه، عرض الحائط، فالمحتجون يرون أن إقامة مقلع بالمنطقة أمر مرفوض البتة، لأنه لا يحترم الشروط والضوابط البيئية ويشكل تهديدا للسكان ومنتوجاتهم الفلاحية…
حكاية مشروع لم يتم
طرق المستثمر الاسباني «أليخاندرو كانيل كاريو» جميع الأبواب على أمل إيجاد مخرج لمشكلته، سيما وأنه يتوفر على كافة التراخيص القانونية ويأمل في بدء الأشغال في مشروع سيساهم في التنمية المحلية. وكان من المفروض أن تشكل قانونية المشروع والدراسات التي أنجزت، لتقطع الشك باليقين الحجة الكافية من أجل فرض هيبة القانون وسمو قرارات القضاء فوق الجميع، غير أن المعضلة التي يواجهها المستثمر الإسباني لا تتوقف عند هذا الحد، فالشاحنات التي تحمل المعدات تكلفه غاليا وعدم انطلاقه في استغلال المقلع يكلفه أيضا خسارة فادحة يضطر لتحملها في صبر في انتظار ساعة الفرج..
لكن إرادة المعارضين لإحداث المقلع أقوى لحد الآن وقضت بأن يخضع الجميع لتقلبات الواقع وقواعد أخرى ربما لم تخطر ببال المستثمر الاسباني. كما تحولت مناوشات بين الجانبين أخيرا إلى مواجهات أسفرت عن إصابة مفوض قضائي حل لمعاينة الموقف بجروح وكدمات ولحقت بسيارته أضرار بالغة…وبقيت تقارير المعاينات تلك مجرد حبر على ورق…
المحتجون: حكم المحكمة لا يلزمنا
سيعرف النزاع المثار حول قانونية مشروع المستثمر الاسباني أبعادا أخرى، لكن المحكمة أقرت بناء على الخبرة الثنائية المنجزة والوثائق التي تتوفر عليها الشركة غياب أي تأثير للمقلع على السكان لبعده عنهم بأزيد من 500 متر المنصوص عليها قانونا.
في حين دافع أصحاب الدعوى الرافضون للمشروع بأن المقلع سيحدث فوق عقار يملكه أبناء دوار «ايموساتا» أبا عن جد، ويحمل عواقب بيئية مؤكدة، ولا تفصل موقع المشروع عن منازل السكان سوى مسافة 100 متر.
والأكثر من ذلك، منطوق الحكم الذي حصلت عليه «الصباح» أنه على خلاف ادعاءات العارضين أقرت خبرة منجزة بهذا الخصوص أن المقلع يقع في منطقة جبلية غير صالحة للزراعة وتابعة للملك الغابوي، وبعيدة عن السكان والمنشآت العمومية بأكثر من 600 متر مربع، ولا يحمل أي تأثيرات على البيئة أو السكان.
لكن عددا من المحتجين اعتبروا أن هذا الحكم ليس سببا لإيقاف اعتراضهم على إحداث المقلع بالدوار المسمى «ايموساتن»، مطالبين في لافتات يرفعونها كل مرة بوقف مساطر الترخيص الممنوحة للشركة، وما على المستثمر الإسباني إلا البحث عن موقع آخر لاستثمار أمواله وتثبيت معداته وآلياته الضخمة، وأن القانون الذي يتحجج به لن يكون على حساب «أمنهم» و»سلامتهم»…
المستثمر الإسباني: ترخيص إلى إشعار آخر
خيم موقف السلطة المحلية والجهات الوصية على هذه الأحداث، إذ سبق أن خرج رئيس الجماعة القروية أولاد ستوت والمندوب الإقليمي لوزارة التجهيز والنقل بالناظور بتصريح يؤكدان فيه قانونية الترخيص وعدم وجود آثار ببيئة محتملة يمكن أن تترتب عنها أضرار على السكان أو البيئة، وأن المخاوف المعبر عنها لا تمت بصلة للدراسات العلمية المنجزة، والتي أثبتت بما لا يدع الشك عدم جدية تلك المخاوف…
ما يؤكد هذا المعطى، أن المديرية الإقليمية للتجهيز والنقل منحت الشركة التي يملكها المستثمر تصريحا ببدء الأشغال في 27 فبراير 2012، بناء على رخصة استغلال المقلع موضوع الاحتلال المؤقت مسلمة من المندوبية السامية للمياه والغابات وأدائه لكافة التزاماته المادية المتعلقة بحقوق الملك الغابوي…
كما خلصت المحكمة الإدارية بوجدة في يوليوز الماضي وهي تنظر في الملف عدد 96/13/5 بأن الطعن المقدم في قرار الترخيص للمقلع غير مبني على أي أساس قانوني أو واقعي، مؤيدة بذلك خبرة منجزة بهذا الخصوص، بالإضافة إلى توضيحها لنقطة مهمة تعتبر حجر الزاوية في أي مشروع استثماري ألا وهي مردوده الاقتصادي الإيجابي على المنطقة.
ورغم أن الشركة حصلت على كافة الوثائق الإدارية والقانونية وأنجزت الدراسات البيئية للبدء في المشروع بعد نيل موافقة اللجان المتخصصة حسب قواعد القانون المعمول به… إلا أن أسباب هذا النزاع لم تزل وفتحت الأبواب على مواجهة من نوع آخر على أرض الواقع…
فما الذي يجب أن يتحرك حتى ينطلق المشروع في ظل وجود ما يؤكد احترامه لكافة الشروط والضوابط؟ أم أن الاحتجاجات رغم محدوديتها قد تتطور لتتحول إلى قنبلة موقوتة، وينبغي أن يعدل المستثمر الاسباني عن فكرة البقاء في المنطقة نهائيا؟
الصباح