توقف فوترة الكهرباء بالناظور يعيد الجدل حول أداء الشركات الجهوية

أريفينو : 15 دجنبر 2025

تعيش عدد من أحياء إقليم الناظور منذ أسابيع على وقع ارتباك غير مسبوق في تدبير أحد أكثر المرافق العمومية حساسية، بعد تسجيل توقف شبه كلي لخدمة قراءة عدادات الكهرباء وتوزيع فواتير الاستهلاك، في وضع أعاد إلى الواجهة مخاوف قديمة مرتبطة بأداء الشركات الجهوية متعددة الخدمات، التي أوكل إليها تدبير قطاعات الماء والكهرباء والتطهير السائل في إطار الإصلاحات الأخيرة.

مصادر محلية متطابقة تحدثت عن غياب دوري لأعوان قراءة العدادات، ما أدى إلى تراكم الاستهلاك لأشهر متتالية دون فوترة منتظمة، وهو ما انعكس بشكل مباشر على المواطنين الذين فوجئوا، في حالات سابقة مماثلة، بفواتير مرتفعة ومفاجئة تُحتسب دفعة واحدة، وتدفعهم تلقائيا إلى شرائح استهلاكية أعلى، بما تحمله من كلفة إضافية تثقل كاهل الأسر، خاصة ذات الدخل المحدود.

ويأتي هذا المستجد في سياق وطني موسوم بتصاعد منسوب الشكايات المرتبطة بأداء الشركات الجهوية متعددة الخدمات، حيث سبق للجامعة المغربية لحقوق المستهلك أن دقت ناقوس الخطر بشأن ما وصفته بـ”غموض” الفوترة، والعجز عن صيانة العدادات، واللجوء إلى التقدير بدل المعاينة الميدانية، وهو ما أدى، بحسب معطيات موثقة، إلى إصدار فواتير وُصفت بالخيالية في بعض الجهات، تجاوزت في حالات معينة عتبة ثمانية آلاف درهم.

كما أن الانتقادات لم تقتصر على المجتمع المدني، بل امتدت إلى المنتخبين المحليين، كما وقع بمدينة الدار البيضاء، حيث عبّر عدد من أعضاء المجلس الجماعي عن استيائهم من تراجع جودة الخدمات وضعف التواصل، بل وحنّ بعضهم علنا إلى مرحلة التدبير السابقة، مقارنة بما اعتبروه اختلالات بنيوية في تجربة الشركات الجهوية الجديدة، سواء على مستوى الأشغال أو الاستقبال أو تدبير شكايات الزبناء.

وفي خضم هذا السياق المشحون، خرجت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان بفرع أزغنغان عن صمتها، معبرة عن استنكارها الشديد لما اعتبرته توقفا “فاضحا وغير مبرر” لخدمة حيوية بإقليم الناظور، محملة الشركة الجهوية متعددة الخدمات الشرق مسؤولية ما وصفته بإخلال جسيم بمبدأ استمرارية المرفق العمومي، ومساس مباشر بحقوق المستهلك كما يضمنها القانون، خاصة في ما يتعلق بالشفافية والعدالة في الفوترة.

العصبة اعتبرت أن هذا الوضع لا يترتب عنه ضرر مالي فقط، بل يمتد إلى أبعاد نفسية واجتماعية، بالنظر إلى ما تخلقه الفواتير المتراكمة من ضغط على الأسر، ملوّحة باللجوء إلى القضاء في حال استمرار ما وصفته بالتقصير الإداري، وداعية السلطات الإقليمية ووزارة الداخلية إلى التدخل العاجل من أجل فرض احترام الالتزامات القانونية وضمان عودة الخدمة إلى وتيرتها الطبيعية.

ويزيد من تعقيد الصورة، حسب متابعين للملف، ما راكمته بعض الشركات الجهوية من توترات مع محيطها المهني، حيث سبق أن كشفت المصادر عن تأخر كبير في صرف مستحقات مقاولات تشتغل في الصيانة والإصلاح، خاصة بجهة الشرق وجهات أخرى، وهو ما وضع عددا منها على حافة الإفلاس، وهدد بشكل غير مباشر استمرارية الخدمات الأساسية، في ظل تحذيرات صريحة من احتمال توقف الأشغال وانعكاس ذلك على تزويد المواطنين بالماء والكهرباء.

وأمام هذا المشهد، يجد سكان إقليم الناظور أنفسهم في قلب معادلة معقدة، بين إصلاح مؤسساتي رُوّج له باعتباره قاطرة لتجويد الخدمات، وواقع ميداني يعيد طرح أسئلة حارقة حول الحكامة، والمساءلة، وحدود قدرة هذه الشركات على الوفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين، في انتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة من تدخلات رسمية قد تعيد بعض الثقة إلى مرفق عمومي لا يحتمل مزيدا من الأعطاب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *