حفريات في ذاكرة الأغنية الملتزمة بالناظور: أغنية “أغربو نغ” نوستالجيا الموسيقى الريفية + تسجيل صوتي

مصطفى هلهول

– أغنية “أغربو ننغ –

كلمات الأغنية :
أقيي ذ ربحـــــــــار إوذان فتحن كيـــــــذي
يقضو ازينغ وسغون أم وسنگي بو يمـــــي

أقيي ذ ربحــــــــــار طرام إخيم ذڱجنــــــا
أيور أيور إنـــــــــو إتغوفان إفنــــــــــــــا

ماني ثدجام أينـــــي إذنغ ذايس ينــــــــدان
يا يني ذنغ ينـــــدان عماس وذنغ فكــــــان

أمندج ذربحــــــــار حد يموث حد يـــــدار
حد شينت إسرمـــان حد إغاق ويظهــــــار

حد ويزما ر أذيفثـــح يسمح ذينغ يــــــــذور
حد سغربو يعــــذود إضخش وينهـــــــــور

أمندج ذربحــــــــار تواريغ إثري ن رفجار
ثني ذلعلمـــــــــــات ن طرام أق يڱــــــوار

أغربو نـــــــــــــــغ أثننده س فوس نـــــــغ
وثنده ربرانــــــــــي أر ذ رعذو نــــــــــــغ

أمان اني ذيگــــوار ثني اتيذي نــــــــــــغ
ثزوغ اني ذيـــــــس ذ ذمن ن رجذوذ انــغ

كاتب هذه الكلمات :المرحوم محمد أناس غناء : مجموعة إصفظاون

تعتبر هذه الأغنية من الأغاني التي بقيت وستبقى خالدة في الذاكرة الشعبية بالناظور . ظهور هذه الأغنية يرجع إلى أواخر السبعينيات من القرن الماضي ، كتب كلماتها المرحوم محمد أناس وغنتها مجموعة إصفضاون . كانت هذه الأغنية تعبير ا صادقا عن الأوضاع العامة التي كانت تعيشها بلادنا خلال تلك المرحلة ، ورغم مرور كل هذا الزمن على ظهورها فإنها ما تزال تحتفظ براهنيتها، ولربما اليوم أكثر من الماضي . الأمر الذي يمكن ملاحظته من خلال التجاوب الكبير الذي تلاقيه هذه الأغنية كلما تم تقديمها في مناسبة ما من طرف المجموعات الغنائية الريفية مثل “إثران” أو “بنعمان”
فما سر «نجاح” هذه الأغنية؟
وللإجابة على هذا السؤال، يبدو لي أنه يتعين علينا أن نعرف بكاتب هذه الكلمات أولا، وبالمجموعة الغنائية التي أدتها ثانيا. ثم مناقشة الأغنية من حيث موضوع القصيدة والشكل الفني.
• المرحوم محمد أناس
أناس محمد ابن أحد عمال مناجم سيفيريف (وكسان) من أحد الدواوير المحاطة بمدينة أزغنغان (دوار آيت حانوت) المتوفى في الليلة الأخيرة من سنة 1986 إثر حادثة سير مفجعة على الطريق الرابط بين العروي والناظور .توفي وهو في السن 30، في ريعان شبابه وفي أوج عطاءاته السياسية والثقافية والمهنية. إذ انخرط في العمل السياسي في إطار الشبيبة المغربية للتقدم والاشتراكية منذ تأسيس الفرع الإقليمي بالناظور (أواسط السبعينيات). فمثلما كان تلميذا وطالبا ناجحا في مساره الدراسي الذي توجه بحصوله على الإجازة في شعبة الاجتماعيات أهلته ليكون أستاذا ناجحا في التعليم الثانوي بمدينة أحفير، كان أيضا مناضلا نشيطا متشبعا بمبادئ الاشتراكية العلمية وملما بالفكر الماركسي اللينيني. وبالإضافة إلى هذا كله، كان للمرحوم ميولات فنية موسيقية وغنائية..

• المجموعة الغنائية – إصفظاون –
تكونت على يد55 تلاميذ ثانوية عبد الكريم الخطابي بمدينة الناظور أواسط السبعينيات من القرن الماضي(مصطفى هلهول ، أحمد معاشي ، صالح ناصر ، امحرف عبد الناصر ،إلياس السنوسي)، المنحدرين جميعهم من بلدة أزغنغان. عرفت هذه المرحلة نوعا من الثورة على الأغنية الرسمية التي كانت سائدة آنذاك، وذلك باعتبارها تساهم في تكريس الوضع السياسي والاجتماعي المزري الذي لا تستفيد منه سوى فئة من البرجوازيين والمحظوظين، بينما الفئات العريضة من الطبقات الشعبية تعيش الحرمان والبؤس. ويمكن القول أن مجموعة ناس الغيوان والمجموعات الأخرى مثل جيل جيلالة ولمشاهب هي التي قادت هذه الثورة الغنائية على المستوى الوطني، إن صح هذا التعبير . بحيث عرف هذا النوع من الغناء المجموعاتي انتشارا واسعا شمل جميع مناطق المغرب، إن لم نقل جميع أحياء ودواوير البلاد. وقد كان لمدينة الناظور كباقي المدن المغربية أيضا مجموعاته الغنائية البارزة التي حظيت بدعم شعبي واسع وسط الشباب المتعلم على وجه الخصوص، نذكر منها: ين أومازيغ ، إصفظاون ، بنعمان ، إريزام… بالإضافة إلى ظهور الفنان الكبير الوليد ميمون الذي فضل المساهمة في هذه “الثورة” عن طريق الغناء الفردي مستعملا آلة القيثارة والأرمونيكا حتى لُقب ب”بوب ديلان الريف”. أحدثت إذن هذه المجموعات الغنائية ثورة لا على مستوى مواضيعها الغنائية و لا على مستوى ألحانها وأدائها بالإضافة إلى كون جل أعضائها شباب متعلمون ومنخرطون في العمل الجمعوي والسياسي .
فبعد ما كانت مواضيع الأغنية الريفية تافهة ومنحطة لا من حيث كلماتها التي كانت على شكل أبيات مستقلة المضمون فيما بينها(“إزران” مجموع “إزري”) تكتفي فقط بتناول موضوع الغرام وعلاقة الحبيب بالحبيبة بكلمات منحطة أحيانا، أصبحت كلمات أغاني الفرق الجديدة قصائد شعرية أمازيغية موزونة تتناول قضايا اجتماعية هادفة وسياسية مصاغة في شكل صور شعرية رمزية أحيانا وصريحة ومباشرة في أحيان أخرى. وبعد ما كانت ألحان الأغنية الريفية هي مقاطع موسيقية مأخوذة من أغاني شرقية ناجحة لفنانين مصريين أمثال فريد الأطرش وأم كلثوم…عملت المجموعات مجهودات جبارة لتوظيف الأهازيج المحلية و الإيقاعات الموسيقية التراثية التي تميز المنطقة وذلك اعتمادا على الموهبة البسيطة والارادة القوية في إرساء معالم أغنية ريفية جادة . وبعدما كانت الأغنية الريفية يؤديها شخص واحد يعتبر نفسه ويعتبره الجميع “مطربا” يستعمل آلات موسيقية مثل التي يستعملها مطربو الإذاعة والتلفزة ( جوق يعزف على آلات العود والكمان والايقاع ). أصبح الأداء جماعيا وفرديا وبآلات موسيقية بسيطة في المتناول من طرف شباب المجموعات.
• موضوع الأغنية :
ما أن تقول :” أغربو نـــــــــــــــغ أثننده س فوس نـــــــغ” (مركبنا، سنقوده بأيدينا) يتبادر إلى الذهن الحكم والسلطة وتدبير الشأن العام من طرف الشعب . وقد يفهم منها أيضا مطالبة صريحة بنوع من الحكم الذاتي للريف (وهو المعنى الذي يحمس كثيرا فئة من المناضلين في الحركة الأمازيغية حاليا)، غير أنه لا كاتب الكلمات و لا أعضاء المجموعة التي غنوها ، كانوا يقصدون ذلك . وهذا ما يؤكده البيت التالي :
” أمان اني ذيگــــوار ثني اتيذي نــــــــــــغ
” ثزوغ اني ذيـــــــس ذ ذمن ن رجذوذ انــغ”
الماء الذي يسير عليه هو عرقنا
ولونه الأحمر هو لون دماء أجدادنا.
إيحاءً إلى الطبقة الشغيلة التي تنتج خيرات البلاد بعرقها ، ودماء المجاهدين والمناضلين الذين أفدوا أرواحهم من أجل تحرير البلاد من المستعمر.
هذا “الخطاب” الذي يأتي في آخر القصيدة بعد عرض وصفي لمعاناة الشعب نتيجة عدم حكم نفسه بنفسه في الأبيات الأولى للقصيدة، وذلك بتكرار عبارة: “أقيي ذ ربحـــــــــار ” أوجد في البحر، علما أن مفهوم البحر في التعبير المجازي بالريف يدل على كثرة المشاكل واستعصاء حلولها.
وفي خضم الصراع مع أمواج البحر وأهواله في الليلة الظلماء، يلوح في الأفق نور نجم الفجر في السماء، وهو بصيص من الأمل في الخلاص وتعبير عن التفاؤل:
أمندج ذربحــــــــار تواريغ إثري ن رفجار
ثني ذلعلمـــــــــــات ن طرام أق يڱــــــوار
وبهذا يكون مضمون القصيدة عبارة عن أطروحة سياسية تنطلق من تشخيص للواقع بتناقضاته وصراعاته الاجتماعية التي تتجه نحو التغيير إلى الأفضل عبر بزوغ علامات الانفراج . وهو تعبير دقيق عن مرحلة انطلاق المسلسل الديموقراطي بالمغرب أواسط السبعينيات .
• اللحن الموسيقي والأداء الغنائي
بقدر ما لكلمات هذه الأغنية من حمولة ثقافية وفنية وسياسية حتى، بقدر ما اجتهد أعضاء المجموعة في استلهام لحن موسيقي يناسبها، معتمدين في ذلك فقط على استيعابهم لمضمونها وتوظيف هوايتهم الفنية. وبعد ملاحظة مضمون القصيدة، يتبين أنها تتضمن ثلاثة محاور موضوعاتية:
– تشخيص لواقع مرير شُبّه بصراع الشخص ومن معه (الفئات الشعبية الكادحة) مع أمواج البحر العاتية مع توجيه عتاب ولوم للذين كانوا سببا وراء تواجدهم وسط البحر (الحاكمين) تعبر عنه الأبيات الستة الأولى.
– بزوغ بصيص الأمل المتمثل في انتشار الوعي والنضال من أجل التغيير ، تعبر عنه إلى حد ما الأبيات الستة الموالية .
– السبيل للخلاص والتغيير الذي يتطلب من الشعب تدبير شؤونه بنفسه وتعبر عنه الأبيات الأربعة الأخيرة من القصيدة .
إذن ثلاثة محاور تعني ثلاثة مقاطع موسيقية مختلفة، متناسقة ومتكاملة مع الانتباه لطبيعة كل مقطع من حيث الإيقاع الموسيقي والأداء الغنائي المناسب لكل محور من المحاور الثلاثة. وحتى يتم إظهار المحور الثالث بشكل يذكي الحماس والتفاعل مع مضمونه اعتمدت المجموعة على لحن تراثي بإيقاع محلي اقتُبس شقه الأول من أغنية قديمة لأحد الفنانات الأمازيغية بالناظور وهي” يمنة الخماري” أما الشق الثاني فهو اللحن الذي يردد من طرف النساء الريفيات أثناء حفلات الأعراس . وبذلك نجحت الفرقة في اختيار الألحان والأداء المناسبين لقصيدة “أغربو نغ”.

رابط الأغنية على YouTube كما غنتها المجموعة :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *