رئيس تحرير الصباح يكتب: الريف مختطف من طرف الحراك الشعبي

افتتاحية د خالد الحري رئيس تحرير يومية الصباح

بدأت الأوضاع، تخرج، بالتدريج، عن السيطرة بمناطق الريف، وتتسع رقعة الاحتجاجات وأساليب التهييج والتحريض العرقي والجغرافي لتشمل مدنا وقرى ودواوير بعيدة، وفق مخطط مدروس لإشعال كل المجال الترابي لما يسمى «الريف التاريخي»، أو «ريف محمد عبد الكريم الخطابي».

فلم تهدأ الاحتجاجات منذ وفاة بائع السمك بالحسيمة التي أثبتت التحريات الأمنية والقضائية أنه كان بصدد تهريب كميات من السمك حصل عليها بطريقة غير قانونية، وتم اصطيادها في أوقات الراحة البيولوجية لسمك «بوسيف».

واستغل ناشطون في جمعيات مدنية وهيآت حقوقية لهم ارتباطات بتنسيقيات في الخارج وأحزاب وتنظيمات سياسية في الداخل، الحادث المأساوي الذي نزل على بعضهم مثل هبة من السماء، وانطلق مسلسل التحريض والتهييج في شكل مسيرات شبه أسبوعية ووقفات يومية، ظاهرها فتح تحقيق أمني وقضائي نزيه ومحاسبة المسؤولين، وباطنها «حراك سياسي»، ومخطط لإحراق المنطقة، ورغبة في إعادة خلط الأوراق وترتيبها وفق منطق الابتزاز ولي ذراع الدولة ومؤسساتها.

ورغم صدور الأحكام القضائية في ملف سماك «الحسيمة»، لم تزدد الاحتجاجات إلا «توهجا» وامتدادا في الزمان والمكان، بل أخذت أبعادا خطيرة، حين دخلت على الخط «أطراف» و«حسابات» و«مصالح»، وأعيد إحياء مطالب انفصالية خامدة يعرف أصحابها الوقت المناسب لنفض الغبار عنها، وتحويلها ورقة للتفاوض.

على هذا النحو يمكن تفسير ما يجري، اليوم، بمنطقة الريف التي يتعرض سكانها إلى عملية «اختطاف»، والزج بهم في مؤامرة كبرى، تحت شعارات «الحكرة» والتهميش وغياب مخططات التنمية وانتشار البطالة وتردي المرافق الصحية والتعليمية ومؤسسات القرب الاجتماعي، وهي مطالب وشعارات يرفعها المغاربة في جميع المناطق دون استثناء، دون أن ترافق ذلك أساليب الضغط والابتزاز السياسي.

فلا يشكك أحد في المطالب الاجتماعية لسكان الحسيمة والناظور وإمزورون والدريوش التي تدفع، كغيرها من المدن والقرى المغربية، ضريبة اختيارات لاشعبية وبؤس برامج التنمية والتوزيع غير العادل للثروات، ولن يكون الريف أكثر بؤسا من مناطق في شرق المغرب وجنوبه وغربه تعيش على الكفاف، وتواصل الاحتجاج السلمي والمدني لتحقيق مطالبها، وفق ما يضمنه القانون والدستور.

لكن، لن يقبل أحد بمنطق «الخلط» والركوب الممنهج على التاريخ والجغرافيا والخصوصية ومآسي السكان لإشعال الفتن والمؤامرات والرضوخ إلى الأجندات التي تصاغ في الخارج، وتحويل المنطقة إلى بؤرة صراع مباشر ضد الدولة، وفق منطق «اعطيونا ولا ننفاصلو».

وتتعاطى الدولة، إلى حد الآن، مع هذا المنطق الابتزازي وفق إستراتيجية «ضبط النفس»، أو ما يسمى «الصبر الإستراتيجي» الذي يقتضي مثلا تغيير مواقع المسؤولين وعقد جلسات الاستماع والإبقاء على قنوات الحوار والتفاوض مع المعنيين، وإيجاد حلول سريعة وتمويلات لمشاكل اجتماعية عالقة، ثم مراقبة الوضع عن كثب عبر إنزال أمني مكثف في المنطقة.

إن إستراتيجية من هذا النوع قد تؤتي أكلها مرحليا وتضمن حدا أدنى من الاستقرار واللاعنف، لكنها ستكرس، في المقابل، منطق الدولة الرخوة التي تخاف من تفعيل الإجراءات والتدخلات اللازمة المخولة لها بقوة القانون، كما ستشجع على التمادي في الاحتلال الدائم للشارع، ليس فقط في الريف، بل في مناطق أخرى بدأت تعيب على الدولة منطق الكيل بأكثر من مكيال.

الاحتجاج بين والخلط بين، وبينهما القانون الذي ينبغي أن يكون فيصلا بين الجميع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *