رمضان ليس موسما للتخمة… بل امتحان للوعي

أريفينو.

يحل شهر رمضان المبارك كل عام باعتباره محطة روحية استثنائية، يفترض أن تراجع فيها السلوكيات، ويعاد فيها ضبط العلاقة مع الجسد والنفس معا. غير أن الواقع الصحي الذي يفرض نفسه بقوة يكشف مفارقة مؤلمة: شهر الصيام، الذي شرع للتقوى وضبط الشهوات، يتحول عند فئة واسعة إلى موسم للإفراط، ومصدر لمتاعب صحية كان بالإمكان تفاديها بقليل من الوعي والمسؤولية.
لقد اعتدنا أن نستقبل أذان المغرب بموائد مثقلة بكل أصناف الدهون والسكريات، وكأن الصيام معركة انتقامية مع الجوع، لا عبادة قائمة على التدرج والاعتدال. هذا السلوك، وإن بدا عاديا في نظر البعض، يشكل صدمة حقيقية للجسم بعد ساعات طويلة من الإمساك، ويضع الجهاز الهضمي تحت ضغط مفاجئ، تظهر نتائجه في عسر الهضم، اضطراب السكر، واختلال الضغط الدموي، خاصة لدى أصحاب الأمراض المزمنة.
ولا يمكن الحديث عن المائدة الرمضانية دون التوقف عند هيمنة المقليات والحلويات التقليدية، التي تحولت من جزء من الذاكرة الغذائية إلى عنصر يومي ثابت. فالإفراط في الشباكية والبريوات لا يمر دون ثمن، بل يراكم الوزن، يرهق الكبد والبنكرياس، ويرفع تدريجيا من مخاطر أمراض القلب والشرايين، في تناقض صارخ مع فلسفة الصيام القائمة على التخفف لا التخمة.
المفارقة الأكبر أن العطش الذي يعانيه كثير من الصائمين لا يعود دائما إلى طول ساعات الإمساك، بل إلى سوء الاختيارات الغذائية. فالمشروبات السكرية والعصائر المصنعة، التي تحل محل الماء، تساهم في ارتفاع السكر في الدم وتزيد الإحساس بالعطش والإرهاق، بدل أن توفر الترطيب المنشود. وهنا يتأكد أن الإكثار من الشرب لا يعني بالضرورة ترطيبا سليما.
أما وجبة السحور، التي يفترض أن تكون دعامة الصائم خلال النهار، فقد تحولت عند البعض إلى تفصيل ثانوي، أو وجبة دسمة ومالحة تترك آثارها السلبية بعد ساعات قليلة. إهمال السحور أو اختزاله في أطعمة غير متوازنة يؤدي إلى انخفاض الطاقة، ضعف التركيز، واضطرابات هضمية، تجعل نهار الصائم أكثر مشقة مما ينبغي.
ويزداد الخلل وضوحا مع الغياب شبه التام للخضر والفواكه عن موائد رمضان، مقابل سيطرة النشويات والدهون. هذا الخلل الغذائي الصامت لا تظهر نتائجه فورا، لكنه ينعكس في الإمساك، ضعف المناعة، والشعور العام بالتعب، ليؤكد أن الصيام لا يختزل في الامتناع عن الأكل، بل في حسن اختيار ما نأكل.
إن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هو: هل نمارس الصيام بروحه أم نكتفي بشكله؟ فالتقوى التي جعلها القرآن غاية للصيام لا تنسجم مع الإسراف، ولا تتحقق مع إلحاق الضرر بالجسد، الذي هو أمانة قبل أن يكون أداة للشهوة. وقد كان التحذير واضحا: “وكلوا واشربوا ولا تسرفوا”.
الصيام الحقيقي لا يُقاس بعدد الأطباق على المائدة، ولا بحجم الحلويات المستهلكة بعد الإفطار، بل بقدرة الصائم على تهذيب سلوكه، وضبط رغباته، واحترام توازن جسده. وحين يتحول رمضان إلى موسم للأمراض والتعب، فإننا نبتعد عن جوهر العبادة ونفرغها من بعدها الإصلاحي.
يبقى رمضان فرصة ربانية لإعادة ترتيب علاقتنا مع الغذاء، ومع الجسد، ومع نعم الله التي لا تحصى. ومن أحسن استثمار هذا الشهر وعيا وسلوكا، جمع بين أجر العبادة وصحة البدن، وهو المقصد الأسمى الذي يجمع بين الدين والحكمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *