سعيد الخطابي في ذمة الله

. | تحرير : إبراهيم البطيوي |
كما لا يفوتنا الإشارة إلى البرقية التي بعثها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، والتي أعرب فيها جلالته لأفراد أسرة الفقيد الصغيرة ولكافة عائلة الخطابي “الشهمة الموقرة” عن أحر التعازي وصادق المواساة في هذا المصاب الأليم، سائلاً الله تعالى أن يتغمد الفقيد برحمته الواسعة ويسكنه فسيح جناته. وأضافت البرقية “كما نتضرع إليه تعالى أن يتقبله في عداد الصالحين من عباده وأن يلحقه بوالده المجاهد الكبير المرحوم محمد بن عبد الكريم الخطابي، أكرم الله مثواه، مع الصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا”. وأضاف “وإذ نشاطر عائلة الخطابي العريقة، التي نكن لها كل تقدير، أحزانكم في الرزء الفادح، فإننا ندعو لكم بجميل الصبر وحسن العزاء، و للفقيد العزيز، بحسن الجزاء”.


الصور عن موقع هيئة الإنصاف و المصالحة

بالله
رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه، وألحقه ووالده المجاهد الكبير وأمير الريف مع بالشهداء والصالحين.
إن لله وإنا إليه راجعون
بسم الله الرحمن الرحيم
( عزاء واجب)
إنا لله وإنا إليه راجعون، توفى صباح يوم الخميس الموافق 8/11/2007م الأستاذ/ سعيد محمد عبد الكريم الخطابى، نجل المجاهد المغربى الكبير الأمير محمد عبد الكريم الخطابى، عن عمر ناهز الخامسة والسبعين، وكان سعيد رحمه الله قد ولد بجزيرة رينيون فى المحيط الهندى، خلال فترة نفى فرنسا لوالده الأمير الخطابى، ثم انتقل وباقى أفراد الأسرة إلى مصر عام 1947م عقب فرارهم من المركب التى كانت تقلهم من المنفى، بعد أن سمحت فرنسا بتغيير منفاهم بجزيرة رينيون إلى مرسيليا.
عاش سعيد الخطابى مثل باقى أفراد الأسرة الخطابية فى مصر، مُعاضدين لوالدهم رحمه الله ومشاركين له فى كل مراحل الكفاح، فكم من لحظات ضيق مادىٍ مروا بها، وكم من مواقف عصيبة عايشوها، وكم من لحظات أفتقدها أفراد الأسرة وحُرموا منها بوجودهم فى خندق الكفاح مع والدهم رحمه الله، كان سعيد الذى لم يتجاوز عمرة العاشرة عند وصوله إلى مصر، الابن السادس من أبناء الأمير الخطابى، إذ كان والده متزوجاً من زوجتين هن تيمونه بوجيار وفاطمة محمد على، فأنجبت له الأولى أبناءه عبد الكريم، عبد المنعم، إدريس، سعيد، مريم وعبد المحسن توأمان، عائشة، أما الزوجة الثانية فأنجبت له عبد السلام، فاطمة، رقية، ميمونة.
عقب وفاة الأمير الخطابى عاد بعض أفراد الأسرة إلى المغرب، وبقى بعضهم فى مصر، وكان سعيد ممن فضلوا البقاء فى مصر، فتزوج وأنجب ابنه طارق الذى يعيش معه فى القاهرة، وإن كان الأمير الخطابى رحمه الله قد قاد كفاحاً مغربياً مذهلاً فى بداية العشرينات من هذا القرن، ضد قوى الاستعمار الفرنسى الأسبانى، فإنه عقب تخلصه من المنفى قاد حركة مناهضة للاستعمار فى جميع أنحاء العالم، فكان لحركته صدى عالمى وصل إلى الصين وفيتنام وشمل شمال إفريقيا بأسره، وكون علاقات ترابط مع معظم رؤساء وملوك الدول آنذاك، وإن كان الأسد لا يُنجب إلا أسداً، فقد كان سعيد الخطابى أحد أبناء أسد الريف وبطل معركة أنوال.
كان قلم سعيد الخطابى ومقالاته التى تناقلتها الصحف العربية والأجنبية، سداً منيعاً ضد أى محاولة لتزييف التاريخ، ولم يخضع يوماً للإغراءات الكثيرة من أجل نشر مذكرات أبيه على الوجه الذى يُمكن أن تشوه به صورة تلك الفترة العظيمة من تاريخ المغاربة، ولقد كانت مشاركاته فى العديد من المؤتمرات والندوات التى دافعت عن حقوق المغاربة، والمُهمشين منهم خاصة، دور لا يستهان به فى اعتدال أحوالهم نوعاً ما، ولفتت انتباه الدولة المغربية والجمعيات الحقوقية إلى تلك الفئة المُستضعفة، التى لا تتناسب أوضاعها مع ما بذلته من جهد كبير فى الصد عن حياض المغرب، ضد المستعمرين الأسبان والفرنسيين فى عشرينيات هذا القرن.
كان سعيد رحمه الله يشدد ويبرز دور والده المغاربي الكبير، وأنه كان مُجاهداً عربياً إسلاميا أمميا، مما جعل حركته الجهادية تحدث طفرة فكرية فى العالم العربى والإسلامى، بل وفى فرنسا وأسبانيا ألد خصومه العسكريين، فقد سبق عصره بفكره الجهادى آنذاك فأشاد به مفكروا العالم، ناضل الخطابى من أجل فكرة عاش ومات من اجلها، وهى الحرية التى هى حق لكل من خلق الله من البشر، عمل الخطابى من اجل التخلص من العنصرية والكراهية والبغضاء بين بنى البشر.
أما عن سعيد الخطابى فإن له علينا لأيادٍ بيضاء، لا نملك أن نأجره عليها، لكن عزائنا، أن لنا رب قادر على أن يُضاعف له الأجر أضعافاً مضاعفة، وإنا لنشهد الله على أنه قد غمرنا بعطفه وحبه منذ أن عرفناه وحتى فارقناه، لقد كان اللقاء الأول بيننا فى منزله بالقاهرة صيف عام 2000م، عندما كنت أعد للبدأ فى أطروحتى للماجستير عن والده الأمير الخطابى، وعقب محادثة تلفونية معه تحدد هذا اللقاء، حقيقة فإنى لم أدرك وأنا أحدثه هاتفياً لتعريفه بنفسى، أنى سأجد رجلاً خالىٍ من الأمراض النفسية التى يُصاب بها أصحاب المناصب والنفوذ، أو حفدة الأبطال والزعماء ممن جعلوا من أعمال آباءهم جاه يُعولون عليه ويحتمون به، وبعد أن تنمقت وارتديت أفخم ما لدى استعداداً لهذا اللقاء، ذهبت إلى منزله بحى الزمالك، ففتح لى الباب وأجلست فى غرفة الاستقبال أمام شرفة تطل على نيل القاهرة، انتظاراً لدخول الأستاذ سعيد الخطابى، ويبدو اهتمامى بالاستعداد لهذا اللقاء قد دفعنى للذهاب مبكراً بضع دقائق دون أن انتبه للموعد المحدد، أمضيت تلك الدقائق فى التطلع إلى ما حولى فى الغرفة فشممت عبق التاريخ فى كل ركن من أركانها فهذا الجانب معلق به سيف عتيق، وبالآخر مهماز لفرس، وبعيداً أحد البنادق البدائية القديمة، وأسفل لوحات زيتية قديمة، تناثرت المزهريات هنا وهناك، حقيقة فقد كان الجو يوحى بهذا العصر الذى عاشه الأمير الخطابى ورفاق دربه وكفاحه، وما أن أهل على سعيد الخطابى بوجهه المُشرق ومُلامحه المُبشرة بالخير، حتى انفرجت أساريرى واستبشرت بنجاحى فى مهمتى، وبعد أن أخبرته بأنى أعد أطروحة ماجستير عن والده رحمه الله، وأنى أحتاج إلى مساعدته بإمدادى بأى مستندات أو وثائق يمكن أن تفيد فى البحث، أبدى استعداده لذلك بكل سرور، وبالفعل رتب لى عدة لقاءات استطعت من خلالها تكوين صورة مبدئية عن الخط الذى سنسير فيه بعد أن أخبرته بأنى أدرس التاريخ كهاوىٍ وأن هدفى هو أظهار الحقيقة بما لها وما عليها، ومن هنا ابتدأت الرحلة، وكان مما شرفنى أن حضر معى الأستاذ سعيد الخطابى السيمنار التمهيدى للأطروحة، وجلس معى على المنصة بقاعة المؤتمرات بمعهد البحوث والدراسات الإفريقية، يوم السبت 16/6/2001م، وتمت الجلسة بنجاح وحصلنا على موافقة اللجنة على خطة العمل، فكان حضوره فأل حسن على، وبعد أن تصافحنا وما أن عدت إلى منزلى، إلا ورزقنى الله بأول ذريتى، فكان هذا اليوم من أسعد أيام حياتى.
تمر سنوات أمدنى خلالها الأستاذ سعيد بكل ما يصل إليه من جديد سواء أكانت كتباً أو أبحاث عن والده الأمير الخطابى رحمه الله، وعندما كانت ظروف عملى تحول دون تواجدى فى مصر لعدة شهور فكان يُخبرنى تلفونياً بأن لديه شئ جديد لأرسل له من يستلمه ويرسله إلى، وكان رحمه الله لا يمل من أسئلتى التى لا تنتهى وكان متفاهما لأبعد الحدود.
ومن المواقف التى لا يُمكن أن أنساها له رحمه الله، هو أننى كنت فى بداية عملى بالأطروحة أعمل على تجميع مادتى العلمية من كتب ومقالات ووثائق، وغيرها من أدوات البحث العلمى من عدة مصادر، فلما كثرت عندى تلك المصادر، خشيت من اختلاطها، إذ كنت قد تعهدت له من أول لقاء بأن أرد إليه كل ما سأحصل عليه من أشياء، لذا فقد أعددت لذلك ملفاً وأخذته معى فى إحدى المرات وبعد أن أعطانى بعض الكتب، أخرجت الملف ودونت فيه أسماءها وقلت له أنى سأترك هذا الملف لديه حتى أتذكر ما أخذته، فتجاهل كلامى بلباقة واسترسل فيما كنا نتحدث فيه، وعند نهاية اللقاء أشار إلى قائلاً خذ ملفك هذا معك فلو لم نستأمنك لما أعطيناك شئ، حقيقة فقد كان لتلك الكلمة علي أثر لا أستطيع وصفه، فقد كبلنا وأسرنا بها أبن أسد الريف، وجعلنى أستميت فى التهام كل ما يُمدنى به مستندات وأوراق، خاصة وأنه ائتمننى على أهم ما خلفه والده الأمير الخطابى وهى مذكراته الشخصية، والتى علمت فيما بعد أن البعض كان قد حاول سرقتها ونشرها دون علم الأمير الخطابى نفسه فى حياته، الأمر الذى جعلنى، أقوم باستجماع كل ما اكتسبته من ملكات وما تعلمته فى الجامعة من أصول حفظ وفهرسة الوثائق، من أجل فهرسة ما أمدنى به سعيد الخطابى من أوراق خاصة بالأمير، فقمت بحفظها فى ملفات جديدة وضعت عليها بياناً بما تحويه من مستندات حتى يسهل الوصول إليها فيما بعد، مع احتفاظى لها بنفس ترتيبها وحالتها التى وجدتها عليها، إذ كنت أول من يتفحصها، بعد أن آلت إلى سعيد الخطابى عقب وفاة شقيقه الأكبر عبد الكريم، ولا ندعي هنا أننا قمنا بما يجب القيام به لكنا فعلنا ما استطعنا فعله، وبعد خمس سنوات من الكتابة والمراجعة، انتهينا من إعداد أطروحة الماجستير، التى جاءت فى كتابين أحدها المُتن والثانى كتاب خاص بالوثائق التى رجعنا إليها والتى جاوزت المائة وثيقة، والتى لم تمر فيها كلمة واحدة إلا وراجعها الأستاذ سعيد الخطابى مرة ومرات موضحاً ما يجده فيها من ملاحظات، مما جعلها بحق شهادة على هذا العصر الذهبى الذى عاشه الأمير الخطابى ورفاقه، وللمرة الثانية شرفنا الأستاذ سعيد الخطابى بحضور المناقشة العلنية للأطروحة فى 26/06/2006م مُصطحبا معه نجله الأستاذ طارق الخطابى، ليشهد حصول الأطروحة على تقدير الامتياز بعد أن أجازها ثلاثة من الأساتذة الكبار من ثلاثة جامعات مختلفة هن جامعة عين شـمس، وجامعة الأزهر، وجامعة القاهرة.
عقب المناقشة اتفقت مع الأستاذ سعيد على نشر الأطروحة فى كتاب حتى يستفيد العرب والمغاربة على وجه الخصوص بثمرة جهد وكفاح هذا البطل العربى الكبير، وفى محاولة منى للتعريف بما فى الأطروحة من حقائق تنشر لأول مرة ذهبت إلى السفارة المغربية بدولة قطر حيث كنت أقيم آنذاك وسلمت لهم نسخة منها مصحوبة بإهداء خاص إلى ملك المغرب، وبعد أيام اتصل بى الملحق الثقافى للسفارة، مثنياً عليها وأخبرنى بأنه قد اطلع على ما بها، فاتصلت بالأستاذ سعيد لأخبره بما حدث، وكان رحمة الله أعلم منى بالأمور، فصمت ولم يُبدي رأياً وبعد عدة شهور عدت إلى القاهرة، لأكرر نفس الشئ مع المُلحق الثقافى المغربى بالقاهرة، وبعد أن ذهبت إلى مكتبه ثلاث مرات تعذر خلالها بعدة أسباب لعدم مقابلتى، واكتفى بأن أعطى أمراً لمسئول المكتبة باستلامها منى، فكتبت عليها أيضا إهداءاً لملك المغرب، وانصرفت، وأخبرت بذلك الأستاذ سعيد، فتبسم وكأنه كان يعلم بما سيحدث، ولما استفسرت من بعض أصدقائى المغاربة عما حدث أخبرونى بأن المُلحقين أو حتى السفراء المغاربة، ما هم إلا موظفين، وأنى لا يجب أن أنتظر منهم أى رد فعل.
وفى الأسبوع الماضى اتصل بى من هولندا أحد المغاربة، عرف نفسه بأنه تابع لجمعية حقوقية تهتم بشئون المغرب، وأنهم يُعدون لمؤتمر عن حرب الريف، وأخبرنى بأنه يُسعده أن نتعاون وأنه مسافر إلى المغرب للقاء السيدة عائشة ابنة الأمير الخطابى، وأخبرنى بأنهم يسعون لنشر مذكرات الأمير الخطابى، وأنه يُمكن أن يتعاون فى نشر الأطروحة التى كان على علم بها فاستبشرت، واتصلت على الفور بالأستاذ سعيد الخطابى وأخبرته بما حدث فقال لى رحمة الله عليه، لقد اتصلوا بى هم وغيرهم كثيراً ولكنهم لا يفعلون شيئاً، كان هذا آخر حوار بينى وبين الأخ العزيز سعيد الخطابى منذ أيام، ترى ألم يأن الأوان ليُرد إلى الأمير الخطابى وأسرته الاعتبار، ألم يكفى ما لاقوه من غربة ونفي منذ أكثر من ثمانية عقود، ألم يأن الأوان بأن يُخفف من تهميش منطقة الريف جبهة المغرب الشمالية، علامات استفهام تبحث عن إجابة !!!!!!
أخوتى، إن الأمير الخطابى وأسرته عاشوا وماتوا من أجل هدف واحد وهو -الحرية- ألا يستحق من عاش مدافعاً عن مبدأ كهذا أن يُكرم ولو بعد رحيله، وختاماً يستحضرنى قول الأمير الخطابى المأثور ( علمتنى السياسة أن الإيمان هو مفتاح كل شئ فإن أنت آمنت بفكرتك وعملت بها وذدت عنها فإنك ستنتصر لا محالة مهما أقيمت فى وجهك السدود والعقبات) رحم الله كل مجاهد مُخلص وألحقهم بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
حسن البدوى
الدوحة فى 9/11/2007م
HASSAN_ELBADAWY@HOTMAIL.COM