+صور: روبورتاج من حي سيدي عابد معقل “حراك الريف” وعرين “أسوده”

تشد مسامعك وأنت تدخل شارع “سيدي عابد” وسط الحسيمة، أصوات زغاريد النسوة و”تهليلات” منتشية، وكلما تقدمت في الخطى وإلا وزاد وقع الحماس، الذي تصدره النساء “الريفيات” في جو كرنفالي “بهيج” ناسين أم متناسين أن أبنائهن مُطاردين في الجبال من قبل الشرطة وبعضهم معتقل في سجون بعيدة. هي لحظة انتشاء بانتصار صغير، لقد خرج “المخزن” من الحي وعادت الحياة.
في كل تجمع شبابي وسط الحسيمة لا بد أن تشد مسامعك أيضا معزوفات المغني الريفي الملتزم “وليد ميمون” الذي يقول في إحدى أغانيه “نحن من هنا. نحن من هنا. بلادنا سيدتنا.. سنصون ترابك.. من يكرهك سينال ما يستحق. طريقك وإن كانت مفروشة بالشوك سنسير.. سنسير إلى أن نجد الورود”.

هنا بحي “سيدي عابد”، ستجد الورود والأحلام وهموم شباب خرجوا إلى شوارع المدينة هربا من ضيق العيش وانسداد الأفق. هنا في أعلى نقطة من مدينة الحسيمة، يُلوح النشطاء بسلمتيهم إلى “المخزن” بعدما حاصرهم في الساحات الميدانية والقرى المترامية.
يعتبر حي “سيدي عابد”من أكبر الأحياء في مدينة الحسيمة، التجأ إليه النشطاء لتنظيم وقفاتهم بعد محاصرة كل الساحات الميدانية بالمدينة، كانت أولها ساحة “محمد السادس”، التي كانت تشهد مع انطلاق الحراك وقفات احتجاجية، يترأسها ناصر الزفزافي، وبعد اعتقال معظم النشطاء، تم محاصرة الساحة، التي تشهد إنزالا أمنيا طيلة النهار وعلى امتداد الليل.
ويتفرع على حي سيدي “عابد” عدة أزقة ضيقة مثل تزي عياش، الخزرج، الوالدية، والتي تضم حوالي عشرة آلاف نسمة، وجل ساكنيها انتقلوا من بلدات ريفية قريبة من الحسيمة (آيت حذيفة، آيت قمرة، أكنول، بورد..) خلال السنوات العشر الأخيرة، ومعظمهم من الحرفيين والتجار والعمال، يقول بوشتى (53 سنة)، أحد ساكنة الحي، في تصريح “الحياة هنا قاسية علينا نحن الريفيين، لا مشاريع هنا ولا مستقبل، كيف يريدوننا أن نهدأ، نحن لا نرضى بالذل والمهانة”، قبل أن يضيف: “العديد من الريفين ماتوا في البحر، لقد فروا من جحيم الفقر والحكرة. نحن لسنا انفصاليين بل نحب هذا الوطن.. وطن الأجداد والمقاومة”.
بوشتى، الذي أكد أنه يشارك في كل الوقفات السلمية بشارع “سيدي عابد” منذ اعتقال الناشطين رغم وضعه الصحي الصعب تابع بالقول: “السلطات مطالبة اليوم بإطلاق سراح المعتقلين وعلى رأسهم الزفزافي”، مستطردا: “لا نريد أن نجعل من وطننا مثل سوريا والعراق بل نسعى لتحويله إلى السويد والنرويج”، على حد تعبيره.
فيما منير (28 سنة)، الذي انتقل من مدينة تارجيست إلى الحسيمة سنة 2006، بعدما كان يأمل في الحصول على وظيفة تسد حاجياته وحاجيات عائلته الصغيرة، إلا أنه اصطدم بواقع مسدود، “نعيش من امدادات عائلاتنا في الخارج، المعتقلين لم يطالبوا إلا بتحقيق مطالبهم المشروعة والعادلة لكن المخزن عاملهم بقساوة”، يقول منير وهو يسوق سيارته، إنه يشتغل سائقا لسيارة الأجرة الصغيرة، قبل أن يضيف “المستشفى غير مجهز لقد سرقوا معداته ونحن نموت بسبب السرطان والتهميش والحكرة، ماذا يريدون أن نفعل.. أن نموت في البحر.. أنا مستعد لكل الاحتمالات ولم يعد لي ما أخسره، وكلما اعتقل ناشط ظهر آخر أكثر تحديا وعنادا”.
نزول النشطاء إلى ساحة “سيدي عابد”، يشرح إلياس الموساوي، أحد نشطاء الحراك الريفي، في تصريح راجع إلى الحصار المطبق على كل الساحات كساحة الشهداء و الساحة المجاورة لثانوية أبي يعقوب البادسي، لكن مؤخرا، يقول الموساوي، “تم محاصرة ساحة سيدي عابد أيضا، حيث أن الكثير من المتظاهرين لا يستطيعون الوصول للساحة بسبب الحواجز الأمنية الكثيرة”.

الحصار الأمني لم يستثني البلدات الريفية المجاورة، يوضح الموساوي في التصريح ذاته، اليوم كانت هناك مسيرة راجلة من بلدة آيث حذيفة باتجاه بلدة آيث عبد الله، وقد تم قمعها ومحاصرتها، من قبل القوات الأمنية التي كانت تتواجد بكثافة هذا الصباح، على حدود البلدتين.
ساحة “سيدي عابد” التي بات يطلق عليها النشطاء اسم قائد الحراك المعتقل، ناصر الزفزافي، شهدت عدة إنزالات للمحتجين، لمطالبة السلطات بإطلاق سراح معتقلي الحراك الشعبي، ولم تهدأ الساحة منذ توقيف الزفزافي، إذ شهدت أشكالا احتجاجية مختلفة تضامنا مع عائلات المعتقلين، تقديرا وعرفانا بالتضحيات التي قدموها في سبيل الدفاع عن الحقوق العادلة للمنطقة”، وفيما كان يعتبر أن حصر مدينة الحسيمة سيساهم في إضعاف الحراك عدديا، يرى الموساوي أن “السلطات تحاول ذلك من خلال اعتقال واختطاف أهم أعمدة الحراك، لكن ما لا يعرفه هو أن الحراك بات يسكن الآن كل البيوت الريفية”.