طنين الأعماق

أريفينو : 5 نوفمبر 2025

ضغط على زرّ «UP»، فبدأ بالصعود ببطء، محاطًا بالماء من كل لجهات، في صمتٍ كثيفٍ يكاد يبتلع كل شيء.
عامان كاملان وهو يمسح نفس الدائرة: قطرها مئة كيلومتر، بسرعة عشرين كيلومترًا في الساعة.
الكاميرات المثبّتة على بدلته تلتقط كل ظلٍّ وكل حركة، لتغطي مساحة الأعماق اللامتناهية.
زملاؤه، المنتشرون في قطاعاتٍ أخرى، يفعلون الشيء نفسه، كعيونٍ بلا روح .
الصور تصل تلقائيًا إلى الحاسوب المركزي، دون توقف، دون هوادة.
انضمّ إلى البحرية قبل سبع سنوات، لكن حين اندلعت الحرب الكبرى، أُرسل إلى وحدة مستكشفي الأعماق بعد أن دُمّرت الأقمار الصناعية.
مهمّته: اكتشاف الغواصات المعادية، ومراقبة المحيط.
مرّ عامان على الحرب، وكان عليه أن يواصل لثلاث سنواتٍ أخرى، إن بقي حيًّا. ثم، ربما، يعود إلى عائلته.
كان له ابنةٌ صغيرة — أنيتا — لم يرها منذ عامين.
في خوذته نظامُ اتصالٍ يسمح له بمكالمةٍ واحدةٍ كل أسبوع، لخمس دقائق فقط، كل يوم اثنين عند السادسة مساءً. لحظةٌ مقدسة لا يفرّط فيها.
وكان هذا اليوم مميّزًا: عيد ميلاد أنيتا.
—مرحبًا… كيف حالك؟
— نحن بخير. نفتقدك فقط.
— وأنيتا؟
— أحبّت كثيرًا اللعبة التي طلبتَ مني أن أقدّمها لها هديةً منك… ابنتك جميلةٌ وذكيةٌ جدًا.
انقطع الاتصال بصافرةٍ حادّة، تلاها فورًا صوت الطبيب النفسي العسكري، كما في كل مرة بعد المكالمة.
— مساء الخير.
— مساء الخير، دكتور.
— هل ما زلت تسمع ذلك الطنين؟
— نعم… خصوصًا في الليل.
— لا تقلق. تواصلت مع المهندسين، ويعتقدون أنه تداخلٌ كهرومغناطيسي في النظام. لا شيء خارجي. محيطك خالٍ من أي تهديد.
صمتَ الجندي.
كان يعرف أن الصوت ليس خارجيًا.
وكان يعرف أيضًا أنه ليس وحده.
ومضت أضواء لوحة التحكّم، كأنها إشارة أو تحذير.
انتهت المكالمة، لكن صدى صوت الطبيب ظلّ يطفو في خوذته:
“محيطك خالٍ من أي تهديد…”
كذب.
الطنين لم يتوقّف، بل صار له إيقاع — نغمة بشرية شبه مألوفة.
وأحيانًا، حين يطفئ أضواء البدلة الداخلية، يصبح الصوت أوضح، كأن الظلام وحده يسمح له بالحديث.
في البداية ظنّه هلاوسَ العزلة.
لكن في تلك الليلة، عاد الصوت أقوى، وهذه المرّة لم يكن طنينًا… بل همسة:
—ارجع…
تسارعت أنفاسه. ضغط أزرار الخوذة ليقطع الإشارة، لكن الهمسة استمرّت، ناعمة وثابتة، ممزوجة بتنفسه.
والأدهى من ذلك… أنها كانت صوت زوجته.
مرّت أيام، أو شهور. لم يعد للزمن شكل. توقّف عن العدّ.
الطنين ظلّ وفيًّا له، كنبضٍ غامضٍ لا يهدأ. حتى جاء اليوم الذي ارتعشت فيه الخوذة فجأة. أضاءت باللون الأزرق: مكالمة واردة.
لكن اليوم لم يكن الاثنين.
— مرحبًا؟ قال بصوتٍ مرتعش.
صمتٌ، ثم همهمة ماءٍ بعيدة.
بعدها جاء الصوت:
— هل تسمعني؟ أنا أنا…
قلبه انقلب في صدره. كانت هي.
— كيف تتصلين؟ اليوم ليس موعدنا.
— لقد مرّت عشرون سنة، حبيبي…، قالت وهي تبكي.
كنا نظنّك ميتًا. بحثنا عنك في كل مكان، لكن إشارتك بقيت نشطة، تكرّر نفس المسارات…
لقد برمجوك، حبيبي، لتظنّ أن الزمن لم يمضِ. بالنسبة لك مرّت سنتان فقط. مكالماتك لم تكن حقيقية. كانت محاكاة آلية للحفاظ على استقرارك.
تجمّد في مكانه. نظر إلى عدّاد البدلة:
“المهمة نشطة — السنة 2، اليوم 134.”
لكن العالم في الأعلى تغيّر.
— أين أنت؟ سألت هي …..سنحاول إرجاعك.
لكن صوتها بدأ يتشوّه، يتلاشى.
اهتزّ الماء من حوله، تصاعدت فقاعاتٌ كثيفة، والطنين عاد، أقوى من أي وقتٍ مضى، يمتزج بصوت زوجته وصدى معدنيّ قادمٍ من أعماق المحيط.
قبل انهيار النظام، همس بصوتٍ مبحوح:
— أخبري أنيتا أن والدها لن يتوقف أبدًا عن البحث عن السطح.
انقطع الاتصال.
عاد البحر صامتًا..
وربما…لم يكن “السطح” مكانًا، بل ذكرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *