قصة “الفرنكات” الضائعة على مغامرة تصوير عبد القادر “المربحة”

أريفينو : 04 يونيو 2025.

تراودني رغبة جامحة، بين الفينة والأخرى، في مشاهدة صوري القديمة والعودة إلى الماضي البريء والغوص في ذكرياته. وتتسلل إلى ذاكرتي تلك اللحظات التي اعتاد والدي –رحمه الله – أن يصطحبنا في المناسبات والأعياد، أنا وإخوتي، إلى استوديو تصوير بالمدينة قصد أخذ صور للتذكار، كانت صورا بالأبيض والأسود، إذ لم تكن الصور الملونة منتشرة وقتها.

وكلما فتحت البوم صوري وتصفحته إلاّ وجذبتني صوره تلك وحملتني في غمار الذكريات، فكل صورة منه تخلد في نفسي ذكرى أو مناسبة خاصة، تعلق في الذهن وتأبى أن تغادره.

اليوم، استوقفتني إحدى تلك الصور، حينها لم أتمالك نفسي وقد انفلتت مني ضحكة لا إرادية لم أمالكها. فقد كانت للصورة التي جمعتني بإخوتي وأبناء أعمامي حكاية ظريفة: كان ابن عمي ابن عمي عبد القادر قد اقتنى آلة تصوير مما وفره من الكد في دكان والده خلال عطلة الصيف، وربما مدفوعا بفرحة شرائه لتلك الآلة العجيبة وعدنا بأخذ صور لنا بالألوان، شارطا أن نساهم في شراء شريط فيلم التصوير والفلاش علاوة على توفير ثمن تحميض الفيلم. ولكم كانت فرحتنا كبيرة، إذ بعد أسابيع طويلة تمكنا من توفير بضع فرنكات من مصروفنا الذي كنا نحصل عليها من والدينا، لم يكن ذلك أمرا هينا فقد قمعنا في أنفسنا أيّة رغبة قد تنتابنا لشراء الحلويات والمثلجات وتناولها. وبعد توفير ما يفي بالغرض، حان يوم التصوير المنتظر.

يومها استيقظت باكرا وجمعت باقة ورود حرصت على أن تضم مختلف الألوان، لم لا والألوان هي محور المناسبة. التأم جمعنا في حقل الجدة، وبدأ عبد القادر التقاط الصور لنا، وتمّت المرحلة الأولى من المهمة بنجاح، اشترينا الفيلم والتقطنا الصور، لوهلة اعتقدت أن المهمة أنجزت، أو على الأقل أهم جزء منها، وأن الباقي هين، فقط بقي علينا تحميض الفيلم وطبع الصور الملونة. حينها كانت مدة عملية تحميض الفيلم وطبع الصور تستغرق يومين كاملين. لقد مرّ اليومان ببطئ شديد وأنا أتحرق شوقا لمشاهدة النتيجة، لم أكن أغفوا خلالها إلا قليلا من شدة حماسي ونفاذ صبري لمشاهدة النتيجة. بعد مرور المدة المحددة، رجع إلينا عبد القادر من المدينة حاملا في إحدى يديه ظرف الصور.

أحطنا به، وبدأ في إخراج الصور واحدة تلو الأخرى. وكم كانت خيبتي كبيرة وأنا اشاهد كل الصور مبهمة وغير واضحة البتة، ما عدا صورة واحدة، فقد كان إبن عمي يعاني من ارتعاش عصبي في الجفن، فجاءت كل الصور مبهمة وغير واضحة ما عدا واحدة. ولسوء حظي، فقد توارى وجهي خلف باقة الزهور التي كنت أحملها في الصورة الوحيدة الواضحة. غير أن ما ضاعف خيبتي كون تلك الصورة لم تكن ملونة. نعم، فقد خدعنا عبد القادر واشترى فيلما بالأبيض والأسود، لقد نجحت صفقته التجارية وجنى من ورائها بعض الأرباح، لكن تقنيّا لم يحالفه الحظ بسبب عينه اليسرى التي ما تزال ترف إلى اليوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *