كرة القدم المغربية… نموذج ناجح للإرادة السياسية وحسن الاختيار..

أريفينو: 22 دجنبر 2025

بقلم: الدكتور نورالدين البركاني
شهدت رياضة كرة القدم بالمغرب خلال السنوات الأخير enة نهضة نوعية وسريعة، جعلتها تنتقل من دائرة المشاركة المشرفة إلى مصاف التنافس القاري والدولي الجدي، وهو تحول لم يكن وليد الصدفة، ولا نتيجة مجهود ظرفي أو عمل معزول، بل ثمرة رؤية استراتيجية واضحة، وإرادة سياسية قوية، وتراكم مؤسساتي منظم.
ولا جدال في أن الفضل، بعد الله تعالى، يعود إلى الإرادة الراسخة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله، الذي آمن منذ وقت مبكر بأن الرياضة ليست مجرد ترف أو فرجة، بل رافعة للتنمية، وأداة لبناء الإنسان، وصورة تعكس طموح الوطن ومكانته بين الأمم. فقد أحاط جلالته هذا القطاع بعناية خاصة، من خلال التوجيهات السامية، والدعم المتواصل، وتهيئة البنيات التحتية الرياضية، وتشجيع التكوين القاعدي، وربط الرياضة بالمشروع التنموي الشامل للمملكة.
غير أن الرؤية الملكية، مهما كانت صائبة، تحتاج دائماً إلى من يُحسن تنزيلها على أرض الواقع، وهو ما تجسد بوضوح في اختيار الرجل المناسب في المكان المناسب، ممثلاً في السيد فوزي لقجع. فقد أبان هذا الأخير عن كفاءة عالية، وجرأة في اتخاذ القرار، وقدرة على التدبير الاستراتيجي، واحترام لقواعد الحكامة والشفافية، مما مكن كرة القدم المغربية من إحداث قفزة نوعية على مستوى النتائج، والتكوين، والبنيات، والحضور الدولي.
لقد نجح النموذج الكروي المغربي لأنه قام على عناصر واضحة: رؤية بعيدة المدى، استقرار في القيادة، ربط المسؤولية بالمحاسبة، استثمار في العنصر البشري، واحترام منطق الاستمرارية بدل منطق الارتجال. وهي عناصر تفتقدها للأسف قطاعات حيوية أخرى، ما تزال تعاني من اختلالات بنيوية، وتدبير ظرفي، وغياب النجاعة، رغم الميزانيات الضخمة والبرامج المتعددة.
ومن هنا يطرح سؤال جوهري نفسه بإلحاح: لماذا لا ننجح في قطاعات مثل التعليم، والصحة، والتشغيل، والإدارة العمومية، بنفس المنهجية التي نجحت بها كرة القدم؟ ولماذا لا يتم تعميم منطق الكفاءة، والاختصاص، والنتائج، بدل منطق الولاءات والحسابات الضيقة؟
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه المغرب في المرحلة المقبلة، خاصة مع الاستحقاقات الانتخابية القادمة، هو إفراز نخبة حكومية وإدارية تمتلك نفس الجدية، والروح الوطنية، والقدرة على الإنجاز، التي جسدها النموذج الناجح في كرة القدم. فالمواطن اليوم لم يعد يطلب الشعارات، بل ينتظر نتائج ملموسة، وسياسات عمومية فعالة، وخدمات تحترم كرامته وتستجيب لحاجياته.
ولتحقيق ذلك، تبرز مجموعة من التوصيات الأساسية:
اعتماد معيار الكفاءة والخبرة والنزاهة أساساً في تعيين الوزراء والمسؤولين السامين.
القطع مع منطق التدبير الموسمي والبرامج الظرفية، واعتماد رؤية استراتيجية طويلة المدى لكل قطاع.
ربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل فعلي، وتقييم السياسات العمومية بناءً على الأثر والنتائج لا النوايا.
الاستثمار في الموارد البشرية، والتكوين المستمر، وتحفيز الكفاءات الوطنية داخل المغرب وخارجه.
تعزيز استقلالية القرار التقني عن الحسابات السياسية الضيقة، خاصة في القطاعات الاجتماعية الحساسة.
لقد أثبتت كرة القدم المغربية أن النجاح ممكن، وأن المغرب يتوفر على طاقات وكفاءات قادرة على التميز متى توفرت لها الثقة، والدعم، والوضوح في الرؤية. وما نتمناه اليوم هو أن تتحول هذه التجربة الملهمة إلى مدرسة في التدبير العمومي، تُستنسخ في التعليم، والصحة، والتشغيل، وسائر القطاعات، حتى تتحقق نهضة شاملة تليق بطموحات المغاربة وتوجيهات قيادتهم.
فكما نجح المغرب في رفع رايته عالياً في الملاعب الدولية، فهو قادر، بالإرادة نفسها وحسن الاختيار نفسه، على رفع جودة عيش مواطنيه، وبناء مستقبل أكثر عدلاً ونجاعة وكرامة.