لماذا يصعب إسقاط النظام الإيراني؟ قراءة في بنية “الدولة العميقة” بطهران

أريفينو.
وصفت كل من الولايات المتحدة و”الاحتلال الإسرائيلي” نتائج المرحلة الأولى من هجماتهما على إيران بـ”الناجحة”، غير أن المؤشرات السياسية والعسكرية توحي بأن الهدف الأبعد، المتمثل في تغيير النظام بطهران، ما يزال بعيد المنال، في ظل تعقيدات بنيوية تحصّن الجمهورية الإسلامية من الانهيار السريع.
وفي رسالة موجهة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقيجي أن تغيير النظام “مهمة مستحيلة”، مشددا على أن المرشد الأعلى لا يمثل وحده النظام، بل إن الأمر يتعلق بشبكة متداخلة من المصالح العسكرية والدينية والاقتصادية تجعل البنية الحاكمة أكثر تعقيدا من اختزالها في شخص.
“القصف لا يسقط الأنظمة”
صحيفة The Guardian البريطانية، وفي تحليل وقّعه جوليان بورغر، رأت أن التاريخ لا يدعم فرضية إسقاط أنظمة راسخة عبر القصف الجوي فقط، خاصة حين تعتبر هذه الأنظمة نفسها في “صراع وجودي”، كما هو حال طهران اليوم.
وبحسب الصحيفة ذاتها، فإن ترامب يخوض واحدة من أكبر مقامراته السياسية، في سياق داخلي حساس يرتبط باحتمالات خسارة حزبه في الاستحقاقات المقبلة، مع إبقاء هامش المناورة مفتوحا بين تصعيد طويل أو تهدئة سريعة، بحسب تطورات الميدان.
وفي خطاب موجّه إلى الإيرانيين، حاول الرئيس الأمريكي تحميل الداخل مسؤولية التغيير، قائلا إن “الوقت حان للسيطرة على مصيركم”، في إشارة إلى رهان واضح على تحرك داخلي قد يربك السلطة القائمة، تحسبا لاحتمال تعثر الرهان العسكري الخارجي.
شبكة إسناد معقدة
رغم العقوبات المشددة، وتدهور العملة، واندلاع احتجاجات متقطعة، فإن النظام الإيراني أبان عن قدرة لافتة على الصمود. حيث اعتبرت صحيفة Financial Times أن بنية الحكم في إيران لم تُصمم لتحقيق النجاعة بقدر ما صُممت لضمان الاستمرارية، من خلال توزيع السلطة وتعدد مراكز القرار، بما يعقد أي محاولة لإسقاطها.
وفي السياق ذاته، كشفت صحيفة “The New York Times” أن المرشد الأعلى علي خامنئي أصدر، قبيل بدء الهجوم الأمريكي الإسرائيلي، توجيهات تقضي بتعيين نواب متعددين لكبار المسؤولين، بمن فيهم نواب له شخصيا، تحسبا لأي استهداف مباشر قد يطال القيادات العليا.
كما جرى تفويض صلاحيات إلى دائرة ضيقة من المقربين لضمان استمرارية اتخاذ القرار في حال انقطاع الاتصالات، في خطوة تعكس إدراك القيادة الإيرانية لطبيعة المخاطر المحدقة بها.
“مقتل خامنئي لا يعني سقوط النظام”
رغم تداول أنباء عن اغتيال خامنئي، نقلت وكالة Reuters عن مصدرين مطلعين أن تقييمات أعدتها وكالة الاستخبارات المركزية خلصت إلى أن مقتل المرشد، في حال حصوله، لن يؤدي بالضرورة إلى تغيير النظام، إذ يمكن استبداله بشخصيات متشددة من الحرس الثوري الإيراني.
ويرى مراقبون أن الحرس الثوري، باعتباره قوة عسكرية عقائدية نخبوية، يشكل الضامن الأول لاستمرارية الحكم الديني، ويملك من الأدوات ما يؤهله لملء أي فراغ محتمل في قمة الهرم.
منظومة عسكرية “مزدوجة” لضمان البقاء
منذ قيام الثورة سنة 1979، حرصت طهران على بناء هيكل عسكري مواز للجيش التقليدي، عبر تأسيس الحرس الثوري بمرسوم من زعيم الثورة روح الله الخميني، في سياق اتسم بريبة عميقة تجاه ولاء المؤسسة العسكرية القديمة.
ويتربع المرشد الأعلى على رأس المنظومة بصفته القائد العام للقوات المسلحة، مع صلاحيات مطلقة في تعيين القادة وتحديد توجهات الحرب والسلم.
وتتفرع عن هذا الهرم مؤسسات تنسيقية، أبرزها المجلس الأعلى للأمن القومي، وهيئة أركان القوات المسلحة، ومقر “خاتم الأنبياء” المركزي، الذي يشرف على التخطيط العملياتي المشترك.
أما على مستوى التنفيذ، فتقوم البنية العسكرية على مسارين متوازيين: الجيش النظامي بفروعه الأربعة (البرية، البحرية، الجوية، والدفاع الجوي)، والحرس الثوري بفروعه البرية والبحرية والجوفضائية، إضافة إلى “فيلق القدس” المكلف بالعمليات الخارجية، وقوات “البسيج” ذات الطابع التعبوي الداخلي.
هذا التوازي في البنية، وفق تقديرات خبراء، يمنح النظام عدة مزايا؛ أبرزها منع تركّز القوة في يد جهة واحدة، وتقليص احتمالات الانقلاب، فضلا عن توفير مرونة للتحرك داخليا وخارجيا عبر أذرع متعددة.