مطارات المغرب 2025: خريطة جوية تكشف قوة الصعود… واختلالات التوزيع..

أريفينو.
بقلم / الدكتور : نورالدين البركاني.

يشهد قطاع النقل الجوي بالمغرب تحولاً لافتاً، يعكسه الرقم القياسي الذي تم تسجيله سنة 2025، حيث تجاوز عدد المسافرين عبر مطارات المملكة 36 مليون مسافر. وهو إنجاز يؤكد الدينامية المتسارعة التي يعرفها هذا القطاع، ويعزز موقع المغرب كوجهة سياحية وجوية بارزة على المستويين الإقليمي والدولي.
غير أن هذه المؤشرات الإيجابية، على أهميتها، لا ينبغي أن تحجب قراءة أكثر عمقاً للمعطيات، تكشف عن اختلالات بنيوية في توزيع الحركة الجوية، وتطرح تحديات حقيقية أمام صناع القرار.
💠 هيمنة واضحة للمطارات الكبرى
تُظهر الأرقام الرسمية للمكتب الوطني للمطارات أن مطاري محمد الخامس بالدار البيضاء (11,476,653 مسافرًا) ومراكش المنارة (10,091,365 مسافرًا) يستحوذان وحدهما على أكثر من 60% من إجمالي حركة المسافرين.
ويؤكد هذا التمركز أن المغرب نجح في تطوير أقطاب جوية قوية، لكنه لم ينجح بعد في تحقيق توازن مجالي في توزيع هذه الحركة، حيث تبقى باقي المطارات في موقع ثانوي، رغم توفر العديد منها على مؤهلات مهمة.
💠 ترتيب يكشف الفوارق
يعكس ترتيب المطارات الوطنية حجم التفاوت القائم، حيث تأتي أكادير (3,471,981 مسافرًا)، طنجة (2,771,372 مسافرًا)، الرباط (2,108,567 مسافرًا)، وفاس (1,712,543 مسافرًا) في مراتب متقدمة نسبيًا، تليها مطارات الشرق مثل الناظور (1,238,227 مسافرًا) ووجدة (1,167,875 مسافرًا).
في المقابل، تتراجع الأرقام بشكل ملحوظ في مطارات أخرى؛ إذ لا يتجاوز عدد المسافرين في العيون 885,000 مسافر، وفي الداخلة 480,000 مسافر، لينخفض إلى حوالي 181,000 مسافر في ورزازات، و137,000 مسافر في الحسيمة، وأقل من 100,000 مسافر في الرشيدية، وحوالي 50,000 مسافر في كلميم، بل إلى نحو 9,000 مسافر فقط في زاكورة. فيما يسجل مطار بني ملال غيابًا تامًا للحركة الجوية التجارية.
هذا التفاوت لا يعكس فقط اختلاف الأحجام، بل يكشف عن خريطة جوية غير متوازنة بوضوح.
💠 طلب جوي تقوده الجالية والسياحة
تشير المعطيات إلى أن الطلب الجوي في المغرب يرتبط أساسًا بالجالية المغربية المقيمة بالخارج وبالسياحة الدولية، في حين يظل ضعيف الارتباط بالنشاط الاقتصادي الداخلي أو الصناعي.
ويفسر هذا المعطى إلى حد كبير تركز الرحلات في مدن بعينها، كما يؤكد أن النقل الجوي بالمغرب تحركه دينامية بشرية أكثر مما تحركه دورة إنتاجية اقتصادية.
💠 مطارات بإمكانات غير مستغلة
تطرح وضعية بعض المطارات، مثل بني ملال والرشيدية وورزازات، تساؤلات جوهرية، إذ رغم توفرها على بنية تحتية قائمة ومؤهلات سياحية وجغرافية مهمة، فإنها لا تساهم بالشكل المطلوب في الحركة الجوية.
ولا يتعلق الإشكال هنا بغياب التجهيزات، بل بضعف الجاذبية الاقتصادية، وغياب خطوط جوية منتظمة، وعدم إدماج هذه المطارات في دينامية التنمية الترابية.
💠 بوادر توازن… لكنها محدودة
في المقابل، تسجل بعض المطارات الجهوية مؤشرات إيجابية، خاصة طنجة وفاس والناظور ووجدة، التي تعرف نموًا متزايدًا، إضافة إلى مطارات الجنوب، وعلى رأسها العيون والداخلة، التي تكتسب أهمية استراتيجية متنامية.
غير أن هذا التحول لا يزال في مراحله الأولى، ويحتاج إلى دعم بسياسات واضحة ومستدامة.
💠 تحديات قائمة
تفرض هذه الوضعية عددًا من التحديات، أبرزها:
🔹الضغط المتزايد على المطارات الكبرى
🔹ضعف استغلال المطارات الجهوية
🔹غياب شبكة فعالة للنقل الجوي الداخلي
🔹تركّز الرحلات الدولية في مدن محدودة
💠 نحو سياسة جوية أكثر توازنًا
إن تحقيق توازن حقيقي في قطاع النقل الجوي يمر عبر تبني مقاربة شمولية تقوم على:
🔹إعادة توزيع الرحلات الجوية بين مختلف المطارات
🔹دعم الربط الجوي الداخلي بين الجهات
🔹تحفيز شركات الطيران لفتح خطوط جديدة
🔹ربط المطارات بمحيطها الاقتصادي والسياحي
🔹تطوير العرض السياحي الجهوي
🔹تعزيز دور الجهات في تدبير هذا القطاع
💠 خلاصة
تكشف خريطة المطارات بالمغرب سنة 2025 عن مفارقة واضحة: نجاح في تحقيق أرقام قياسية، مقابل استمرار اختلالات في التوزيع المجالي.
فالرهان اليوم لم يعد يقتصر على رفع عدد المسافرين، بل أصبح مرتبطًا بضمان توزيع عادل لثمار هذا النمو، بما يخدم مختلف جهات المملكة.
💠 كلمة أخيرة
حين ترتفع أرقام المسافرين، ينبغي أن ترتفع معها فرص التنمية في جميع الجهات، لا أن تظل محصورة في مدن محددة.
فالتحدي الحقيقي ليس في عدد الطائرات التي تقلع، بل في عدد المناطق التي تستفيد من إقلاعها.
والمغرب اليوم، وهو يراكم الأرقام، مدعو إلى توسيع أثرها ليشمل كل ترابه الوطني.
نورالدين البركاني
