معركة التنمية تُحسم في قاعات التكوين..

أريفينو.

بقلم / الدكتور : نورالدين البركاني.

في عالم يتسم بتسارع غير مسبوق في وتيرة التقدم العلمي والتكنولوجي، لم يعد تحقيق التنمية الشاملة رهين توفر الموارد الطبيعية أو الموقع الجغرافي، بل أصبح مرتبطًا أساسًا بجودة الرأسمال البشري، وبمدى قدرة الدول على تكوين وتأهيل مواردها البشرية وفق أعلى المعايير العالمية. ومن هذا المنطلق، فإن تسريع وتيرة التنمية في بلادنا يمر حتمًا عبر إصلاح عميق لمنظومة التكوين والتأهيل، وعلى رأسها تكوين المكوني

إن تكوين المكونين يشكل حجر الزاوية في أي إصلاح حقيقي، لأن المدرس أو المؤطر أو المكون هو الذي ينقل المعرفة، ويغرس القيم، ويؤطر الأجيال الصاعدة. لذلك، فإن الاستثمار في تكوينه بطرق وأساليب حديثة، تعتمد على الابتكار، والتفكير النقدي، والتعلم النشط، لم يعد خيارًا بل ضرورة ملحة. ويتعين أن تتجاوز برامج التكوين المقاربات التقليدية، لتدمج التكنولوجيات الحديثة، والذكاء الاصطناعي، وأساليب التعليم التفاعلي، مع التركيز على تنمية المهارات الشخصية مثل القيادة، والانضباط، وروح المبادرة.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية الانفتاح على التجارب الدولية الرائدة، من خلال إرسال الأطر التربوية والمكونين إلى دول متقدمة في المجال المعرفي والتكنولوجي مثل ألمانيا، اليابان، كندا، فنلندا، وكوريا الجنوبية. فهذه الدول لم تصل إلى ما هي عليه اليوم صدفة، بل بفضل سياسات تعليمية صارمة، وثقافة عمل قائمة على الانضباط، واحترام الوقت، وإعلاء قيم النزاهة والمسؤولية. إن الاحتكاك المباشر بهذه التجارب، من خلال برامج تدريبية ميدانية، يمكن أن يساهم في نقل الخبرات، وتغيير العقليات، وترسيخ ثقافة الأداء والجودة.

غير أن هذا التوجه ينبغي أن يكون جزءًا من رؤية شمولية تجعل من التكوين المستمر إلزاميًا في جميع القطاعات، سواء في التعليم، أو الإدارة، أو الصحة، أو الصناعة. فالعالم يتغير بسرعة، والمعارف تتجدد باستمرار، ومن لا يواكب هذه التحولات يجد نفسه خارج دائرة الفعالية. لذلك، يجب إرساء نظام وطني للتكوين المستمر، يعتمد على تقييم دوري للكفاءات، وربط الترقي المهني بالمشاركة الفعلية في برامج التكوين والتأهيل.

كما أن تكثيف التجارب الميدانية، وربط التكوين بسوق الشغل، يعد من العوامل الأساسية لضمان فعالية التكوين. فلا يمكن إعداد كفاءات قادرة على الإبداع والإنتاج دون تمكينها من الاحتكاك بالواقع، والتدرب داخل المؤسسات والمقاولات، والانخراط في مشاريع تطبيقية. وهنا تبرز أهمية تعزيز الشراكة بين المؤسسات التعليمية والقطاع الخاص، لتوفير فرص تدريب حقيقية، وتبادل الخبرات، وتوجيه التكوين وفق حاجيات الاقتصاد الوطني.

ومن جهة أخرى، فإن نجاح أي إصلاح في مجال التكوين يظل رهينًا بترسيخ منظومة قيمية متينة، تقوم على الجدية، والانضباط، واحترام القانون، ومحاربة الفساد بكل أشكاله. فالتنمية ليست فقط مشاريع وبنيات، بل هي قبل كل شيء سلوك يومي وثقافة مجتمعية. وإذا لم تتجذر هذه القيم في المدرسة، والإدارة، والمجتمع، فإن أي مجهود تنموي سيظل محدود الأثر.

ولتعزيز هذا التوجه، يمكن اقتراح مجموعة من التوصيات العملية:

إحداث برامج وطنية متخصصة في تكوين المكونين، بشراكة مع مؤسسات دولية مرموقة.

إقرار نظام إلزامي للتكوين المستمر، مع تحفيزات مادية ومعنوية للمشاركين.

إطلاق برامج للتبادل الدولي، تتيح للأطر المغربية الاستفادة من التجارب الناجحة.

إدماج التكنولوجيا والرقمنة بشكل شامل في جميع برامج التكوين.

تعزيز ثقافة التقييم والمحاسبة، وربط المسؤولية بالمردودية.
تشجيع البحث العلمي التطبيقي، وربطه بحاجيات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

ترسيخ قيم العمل والانضباط والنزاهة من خلال المناهج التعليمية والإعلام.

وفي الختام، فإن الرهان الحقيقي لأي دولة تسعى إلى الالتحاق بركب الدول المتقدمة، هو رهان على الإنسان. وإذا نجحنا في تأهيل مواردنا البشرية، وتزويدها بالمعرفة، والمهارات، والقيم، فإننا نكون قد وضعنا الأساس الصلب لتنمية مستدامة وشاملة. أما إذا استمررنا في الاعتماد على مقاربات تقليدية، فإن الفجوة مع الدول المتقدمة ستتسع أكثر، وسيصبح اللحاق بها أكثر صعوبة.

إن المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع… وصناعته تبدأ من مدرسة حديثة، ومكون مؤهل، ومجتمع يؤمن بقيمة العمل والمعرفة.

نورالدين البركاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *