منبر الرأي ..بائع السمك: هل نرثيك أنت أم الوطن؟

أريفينو محمد أحداد
شكرا محسن شكرا لك لأنك عريت حقيقتنا كاملة٬ كاملة تماما٬ ولم يبق شيء لنخفيه بالمساحيق المزيفة. اكتشفنا أننا أكثر هشاشة مما كنا نعتقد. هشين إلى درجة أنك أخرجتنا من صف المشاهدين لكن دون أن نمتلك القدرة أن نصف المشهد رغم كمية الغبن التي تغلي في صدرونا. شكرا محسن لأنك كشفت للدولة أن الصحافيين ليسوا سوداويين٬ ولا يشيعون ثقافة اليأس٬ كشفت كم أننا على حق حين نكتب كل يوم أن الوطن ليس بخير وأن ثقوبه آخذة في الاتساع٬ ولا يصدقنا أحد. نكتب منذ زمن بعيد أن السكتة القلبية قربية وأن الفساد صارت لديه حكامة في هاته البلاد وأن الفقر يرمي بالناس من أعالي العمارات الشاهقة٬ ويقذف بالذين طحنتهم الحياة إلى قعر سحيق من مياه المتوسط.. شكرا محسن أعرف جيدا ما معنى أن تكون بائعا للسمك٬ معناه أن يكون جلدك مضاد للبرودة في الصباحات القارسة في مخازن الثلج٬ ومعناه أيضا أن تكون مفاوضا جيدا كي تضمن مكانك في ”سوق نتراثا“ وبـ“رمويي“٬ ومعناه أيضا أن تطلب nj كل يوم أن يبقى البحر هادئا٬ معناه كذلك أن لا تفسد أسماكك في الهزيع الأخير من الليل.. شكرا مسحن قديما قال درويش وهو ينزف من الاحتلال إنه من لا بر له لا بحر له٬ وأنت كنت تمتلك جزء من البحر٬ لكن لا بر لك. كنت تبحث عن رقعة بسيطة من هذا الوطن الفسيح لتبيع أسماكك وتعود إلى المنزل راضيا بعيشتك رغم قسوتها.. شكرا محسن هل تعرف شيئا عن القصة الشهيرة لهمنغواي. لقد صارع الأمواج العاتية٬ وواجه مصيره التراجيدي في عرض البحر ليظفر بالسمكة. خانته الذراع لكن لم تخنه الإرادة..كان شيخا طاعنا في السن والحلم أيضا٬ لذلك وصل إلى الشط بهيكل سمكة..فقط هيكل سمكة٬ أما أنت يا محسن٬ فقد رحلت هكذا دفعة واحدة..اخترت أن تنسحب من هذه اللعبة الوسخة٬ هكذا دفعة واحدة٬ ولا ندري من نرثي الآن أنت من الوطن.. شكرا محسن لأنك هزمتنا. هزمتنا بالضربة القاضية دون أن نملك الكلمات التي تعبر عن كمية الحقد٬ وصرنا من حيث لا نشعر نتعاطى الفرح بالأقراص والحقد بالوراثة كما قال الشعر. قلت لا بطريقة مختلفة٬ بطريقة لم يجرؤ أحد من قبلك أن يعبر عنها بكل تلك التراجيدية٬ رميت بنفسك في المطحنة٬ لتطحنك وتطحننا معك إلى الأبد..
نحن نعرف الوطن٬ ونعرف أنه سيء٬ ونعرف أن حبنا له من طرف واحد٬ ونعرف أنه يخوننا في كل مرة لكننا نعجز عن خيانته٬ مرضى نحن بالوطن٬ قل إذا شئت الدقة أكثر نوع متطور من متلازمة ستوكهولم. يجلدنا الوطن كل يوم ونصر على أن نقاسمه الحب..بيد أن المشهد كان فظيعا جدا٬ فظيعا حد الشعور باليأس٬ بالرغبة في الانسلاخ من جلودنا٬ بالرغبة في البحث عن أقرب مطحنة.. شكرا محسن شكرا لأنك رحلت بشجاعة٬ أو قتلوك بدم بارد ثم قالوا إن سمكك كان فاسدا٬ والحقيقة أن هذا الوطن هو الفاسد٬ وقالوا إنك كنت تعده للتهريب والحقيقة أنهم هربوا أحلامنا. قالوا أيضا إن أسماكك لم تخضع لشروط السلامة٬ والحقيقة أن الوطن بأكمله لم يخضع لشروط السلامة.. شكرا محسن لأنك أخيرا قلت لنا بلغة٬ بصورة دالة٬ أن الانتخابات والسياسة وما استتبع هذه الشعارات البئيسة ليست سوى جزء من مأساتنا الجماعية التي صرنا نتعايش معها بكثير من السادية. إنهم يطحننا كل يوم ونصبر٬ ويقتلوننا كل يوم ونتجلد٬ ويسرقون كل شيء منا ونقول إن الوطن جميل والاستقرار أجمل..ومن نرثي يا محسن أنت أم الوطن؟
