منبر الرأي .. من أسباب تخلف دول العالم الثالث: مسؤولية الفرد قبل الدولة..

أريفينو : 15 مايو 2025.
بقلم: الدكتور نورالدين البركاني
رغم ما تزخر به دول العالم الثالث من طاقات بشرية، وثروات طبيعية، ومقومات جغرافية وثقافية، إلا أن مظاهر التخلف ما زالت تطبع حياة المجتمعات فيها، وتحول دون تحقيق نهضة حقيقية وشاملة. والسؤال الجوهري الذي ينبغي طرحه بجرأة ومسؤولية هو: ما الأسباب الحقيقية لهذا التخلف؟ وهل يكفي أن نحمّل الدولة وحدها مسؤولية ما نحن فيه؟
في هذا المقال، سنسلّط الضوء على مجموعة من الأسباب الداخلية والسلوكية التي تساهم بشكل مباشر في تعميق مظاهر التخلف، وتعرقل كل محاولة للإصلاح أو التقدم. ومن بين أبرز هذه الأسباب:
- غياب ثقافة التخطيط الشخصي (الاشتغال بأجندة يومية):
من الملاحظ أن شريحة واسعة من المواطنين، باختلاف مواقعهم ومسؤولياتهم، لا تشتغل بأجندة أو مذكرة تنظيمية ترتب المهام وتحدد الأولويات. يعيش الكثيرون يومهم بتلقائية وارتجال، دون أهداف واضحة أو تخطيط مسبق. وهذا ينتج فوضى في الأداء، ويضعف الإنتاجية ويعمق الفجوة بين الطموح والإنجاز.
- عدم احترام المواعيد:
احترام الوقت من أبرز مؤشرات التحضر والجدية. غير أن عدم احترام المواعيد أصبح شبه سلوك عام في العديد من الأوساط الإدارية والمهنية والتعليمية، وهو ما يعطل المصالح، ويُفقد الثقة بين الأفراد، ويكرس الرداءة في جميع المجالات.
- عدم احترام أوقات العمل:
كم من موظف يصل متأخرا إلى مقر عمله، أو يغادر مبكرا، أو يمضي ساعات طويلة في اللهو أو تصفح الهاتف داخل المكتب، دون وازع مهني أو رقابة ذاتية! هذه السلوكات تتسبب في تعطيل مصالح المواطنين، وتفرغ الوظيفة من معناها النبيل، وتكرس مبدأ “الراتب مقابل الحضور فقط”.
- غياب التكوين المستمر:
العالم يتغير بسرعة، والمعلومة تتطور بشكل يومي، ولا يمكن لأي مهني أو موظف أو مدرس أن يؤدي دوره بكفاءة دون تحديث معارفه ومهاراته. لكن، وللأسف، لا تزال ثقافة “التعلم مدى الحياة” غائبة أو ضعيفة لدى العديد من الفاعلين، وهو ما يجعل أداءهم يتقادم ويتراجع مع مرور الوقت.
- ضعف الحس بالمسؤولية والانضباط الذاتي:
يعاني كثير من الأفراد من ضعف الشعور بالمسؤولية تجاه مهنتهم، أو مجتمعهم، أو حتى أنفسهم. ويغيب عنهم مفهوم “المواطنة الإنتاجية”، التي تعني أن يكون لكل شخص دور إيجابي يضطلع به بإخلاص وانضباط، سواء كان مدير أو حرفيا، أستاذا أو تاجرا، موظفا أو مقاولا.
- غياب ثقافة التقييم والمحاسبة الذاتية:
العديد من العاملين لا يقيمون أداءهم، ولا يراجعون أخطاءهم، بل يبررون فشلهم بالعوامل الخارجية فقط: الدولة، الإدارة، الزبون، الظروف… في حين أن بداية الإصلاح تكون من الذات، عبر مصارحة النفس وتحمّل المسؤولية.
- العشوائية في العمل والتسيير:
سواء في القطاع العام أو الخاص، تلاحظ أحيانا عشوائية في اتخاذ القرارات، أو غياب الرؤية، أو الارتجال في معالجة المشاكل، وهو ما يؤدي إلى نتائج كارثية، سواء على مستوى تدبير المقاولات أو المؤسسات التعليمية أو حتى في مشاريع بسيطة.
خلاصة:
إن نهضة أي بلد تبدأ من سلوك أفراده. ولا يمكن أن نطالب بإدارة ناجحة، أو تعليم فعال، أو خدمات جيدة، دون أن نراجع أنفسنا كمواطنين، ونعيد بناء منظومة القيم المرتبطة بالانضباط، والعمل الجاد، والتطوير المستمر. فالتغيير الحقيقي لا يبدأ من البرلمان، ولا من الوزارات، بل من الوعي اليومي للمواطن البسيط، من احترامه للوقت، وصدقه في العمل، والتزامه بواجبه قبل مطالبته بحقوقه.
دعوة صادقة: فلنغير أنفسنا أولا، لنغير أوطاننا.
“إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”.
بقلم : الدكتور / نورالدين البركاني ..البرلماني السابق.
