من الانضباط اليومي إلى الإقلاع الاقتصادي: طريق المغرب نحو مضاعفة الإنتاجية

بقلم / الدكتور : نورالدين البركاني

لم يعد النقاش حول التنمية في المغرب مرتبطاً فقط بحجم الاستثمارات أو وفرة الموارد، بل أصبح يرتكز بشكل متزايد على سؤال جوهري: كيف نشتغل؟ فالتجارب الدولية تؤكد أن الفرق الحقيقي بين الاقتصادات الصاعدة والمتعثرة لا يكمن فقط في الإمكانيات، بل في جودة الأداء، والانضباط، وقدرة المؤسسات على تحويل الوقت والجهد إلى قيمة مضافة ملموسة. ومن هذا المنطلق، فإن مضاعفة الإنتاجية ومعدل النمو في المغرب ليست حلماً بعيداً، بل هدفاً واقعياً يمكن تحقيقه عبر إصلاحات بسيطة في ظاهرها، عميقة في أثرها.
أولى هذه الإصلاحات تتمثل في جعل التكوين المستمر قاعدة ملزمة لكل الموظفين والمهنيين، سواء في القطاع العام أو الخاص. فالعالم يتغير بسرعة، والمهارات التي كانت كافية بالأمس قد تصبح متجاوزة اليوم. لذلك، فإن الاستثمار في الإنسان عبر التكوين ليس ترفاً، بل ضرورة استراتيجية. حين يخضع الموظف لتأهيل مستمر، فإنه لا يكتسب فقط معارف جديدة، بل يطور أيضاً طريقة تفكيره وقدرته على الابتكار والتكيف. وهذا ما ينعكس مباشرة على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين وعلى مردودية المؤسسات.
غير أن التكوين وحده لا يكفي إذا لم يُواكب بنظام عادل وشفاف يربط بين الأداء والتحفيز. فمن غير المنطقي أن يستفيد الجميع من نفس الامتيازات في ظل تفاوت واضح في الجدية والانضباط. إن ربط الترقيات والأجور بمؤشرات دقيقة، مثل احترام أوقات العمل، وجودة الإنجاز، والقدرة على تحقيق الأهداف، من شأنه أن يعيد الاعتبار لقيمة العمل، ويخلق روحاً جديدة داخل الإدارة والمقاولة. الموظف المجتهد سيشعر بأن مجهوده مقدّر، والمتقاعس سيدرك أن الاستمرار في نفس السلوك له ثمن.
وفي السياق نفسه، يصبح من الضروري تحديث طرق العمل واعتماد أساليب عصرية تتماشى مع متطلبات العصر. فالإدارة التي تشتغل بالوثائق الورقية والإجراءات المعقدة لا يمكن أن تحقق النجاعة المطلوبة. المطلوب اليوم هو رقمنة الخدمات، تبسيط المساطر، تحديد أهداف واضحة في بداية كل سنة، واعتماد أدوات دقيقة لقياس الأداء. وقد أثبتت عدة قطاعات في المغرب، وعلى رأسها القطاع البنكي، أن العمل وفق أهداف محددة ومؤشرات قياس دقيقة يرفع من الإنتاجية ويُحسن جودة الخدمات بشكل ملحوظ.
وعندما تُطبق هذه الإصلاحات بشكل متكامل، فإن أثرها لا يبقى محصوراً داخل المؤسسات، بل يمتد إلى حياة المواطن اليومية. سيلاحظ الفرق في سرعة معالجة الملفات داخل الإدارات، وفي آجال البت في القضايا داخل المحاكم، وفي جودة الخدمات داخل المستشفيات، وفي فعالية الجماعات الترابية. سيشعر بأن الزمن الإداري لم يعد معطلاً لمصالحه، بل أصبح عاملاً مساعداً على تحقيقها.
والحقيقة التي قد تبدو بسيطة، لكنها حاسمة، هي أن الإصلاح الكبير يبدأ من تفاصيل صغيرة. احترام وقت العمل، الالتزام بالمسؤوليات، إنهاء المهام بإتقان، والتعامل المهني مع المرتفقين… كلها سلوكيات يومية، لكنها حين تتحول إلى ثقافة عامة، تصنع الفارق الحقيقي. فالدول لا تتقدم فقط بالقرارات الكبرى، بل أيضاً بالانضباط اليومي لمواطنيها ومؤسساتها.
ولتعزيز هذا التوجه، يمكن اعتماد إجراءات مكملة، مثل إرساء نظام تقييم دوري وشفاف للأداء، وتشجيع الابتكار داخل الإدارات، ومحاربة الغياب غير المبرر، وإدماج التكنولوجيات الحديثة، بما فيها الذكاء الاصطناعي، لتسريع الخدمات وتحسين جودتها. كما أن ترسيخ أخلاقيات المرفق العمومي يظل عنصراً أساسياً في بناء الثقة بين المواطن والإدارة.
في النهاية، إن مضاعفة الإنتاجية في المغرب لا تتطلب حلولاً معقدة بقدر ما تحتاج إلى وضوح في الرؤية، وصرامة في التطبيق، وإيمان بأن العمل الجاد والمنضبط هو أساس كل تنمية حقيقية. فحين نحسن استثمار وقتنا وكفاءاتنا، يصبح النمو نتيجة طبيعية، وليس هدفاً بعيد المنال.
إذا لامست هذه الأفكار قناعاتك، فلا تتردد في مشاركة المقال مع أحبابك وأصدقائك.
نورالدين البركاني