هدر المال العام في الانتخابات الجزئية: ضرورة تعديل القوانين لسد الثغرات..

أريفينو : 16 يونيو 2025

من الظواهر السلبية التي أصبحت تؤرق الرأي العام وتطرح تساؤلات مشروعة حول مدى عقلنة تدبير المال العام، مشكل تنظيم انتخابات جزئية بعد عزل عضو أو مجموعة أعضاء في المجالس المنتخبة بسبب ارتكابهم خروقات انتخابية أو قانونية جسيمة.

ورغم وجاهة قرار العزل في حق من ثبتت في حقه المخالفة، فإن الإشكال الحقيقي يكمن في الكلفة المالية واللوجيستيكية التي تترتب عن إعادة الاقتراع، وهو ما يشكل هدرًا صريحًا للمال العام، ناهيك عن استنزاف الزمن الإداري والقضائي، وتعطيل السير العادي للمرافق العمومية المنتخبة.

فالملاحظ أن هذه الانتخابات الجزئية، رغم كونها ضرورية من الناحية القانونية، لا تسلم من نفس الأمراض التي شابت الاقتراع الأول، كما أن نسبة المشاركة فيها تكون غالبًا ضعيفة، ما يطرح علامات استفهام حول جدواها ونجاعتها في ضمان تمثيلية حقيقية للمواطنين.

أمام هذا الواقع، يبدو لي أن تعديل القوانين الانتخابية بشكل يسمح بتعويض العضو المعزول، بالمترشح الذي حل ثانيًا في نتائج الاقتراع، أصبح امرا مطلوبا، حتى ولو كان من حزب سياسي مخالف، بدل اللجوء إلى انتخابات جزئية مكلفة قد تسفر عن نفس النتيجة أو عن تمثيلية مشوهة بسبب ضعف الإقبال.

هذا الاقتراح يستند إلى منطق بسيط: طالما أن العضو الفائز قد تم عزله بسبب خرق جسيم لقواعد التنافس الديمقراطي، فإن المنطق يقضي بأن تنتقل العضوية إلى من حل بعده مباشرة، كتعويض قانوني يضمن احترام إرادة الناخبين، ويحمي في الوقت ذاته المال العام من الهدر، والمجالس المنتخبة من التعطيل.

وقد سبقت بعض الدول إلى تبني أنظمة مشابهة في إطار ما يسمى “تعديل النتائج بحكم قضائي”، حيث يتم إعلان الفائز التالي مباشرة في حال بطلان فوز المرشح الأول. وهذا الحل لا يخلّ بمبدأ التمثيلية، بل يعززه، لأنه يعيد الاعتبار لمرشح نزيه لم تسعفه الأصوات الكافية، لكنه احترم القوانين وقواعد التنافس.

كما أن هذا التعديل سيبعث رسالة قوية إلى الأحزاب السياسية، مفادها أن اللجوء إلى الخروقات لن ينفع، بل سيؤدي مباشرة إلى تقوية الخصوم، وهو ما قد يردع الكثير من الممارسات المشبوهة، خاصة في المناطق التي تعرف تنافسًا محتدمًا.

ويبقى من اللازم في حال اعتماد هذا التعديل، التنصيص على استثناءات محددة، كالحالات التي يكون فيها العزل قد شمل جميع المرشحين (كما في حالة وجود تواطؤ جماعي)، أو عندما تكون نسبة الأصوات بين الفائز والمعوض جد متدنية، وهو ما يستدعي إعادة الاقتراع ضمانًا للشرعية الشعبية.

إن إعادة النظر في مسطرة تعويض الأعضاء المعزولين، بما يحمي المال العام ويضمن استمرار المؤسسات المنتخبة، أصبح ضرورة ملحة في ضوء ما تعرفه الساحة الانتخابية من تجاوزات، وما تفرضه متطلبات الحكامة الجيدة من ترشيد للنفقات العمومية. وهو تعديل لا يحتاج سوى إلى إرادة سياسية صادقة، وجرأة تشريعية حقيقية، لتدارك هذا الهدر المستمر الذي يدفع المواطن ثمنه من جيبه وكرامته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *