هيئات المحامين تصعّد ضد وهبي بعد تمرير مشروع “قانون المهنة”.. استقالات جماعية للنقباء واتهامات بـ”الانتقام” وضرب استقلال المهنة

أريفينو.

دخل مشروع قانون مهنة المحاماة مرحلة غير مسبوقة من التصعيد بين وزارة العدل وهيئات المحامين بالمغرب، بعدما أعلن مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب عزم نقباء الهيئات السبعة عشر عقد جموع عامة استثنائية لتقديم استقالاتهم الجماعية، احتجاجا على ما وصفه بـ”المساس المستمر بثوابت مهنة المحاماة ومؤسساتها الرمزية” محملا وزير العدل عبد اللطيف وهبي مسؤولية ما اعتبره “مناورات مغرضة” و”وضعا غير مسؤول” خلال مناقشة مشروع القانون داخل البرلمان.

ويأتي هذا التطور بعد ساعات فقط من مصادقة لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب مساء الخميس بالأغلبية، على مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، في واحدة من أكثر الجلسات البرلمانية احتقانا خلال السنوات الأخيرة، بعدما حظي المشروع بتأييد 16 نائبا من فرق الأغلبية مقابل معارضة 6 نواب من فرق ومجموعة المعارضة، دون تسجيل أي امتناع عن التصويت.

وشهد المشروع نقاشات مطولة وحادة داخل اللجنة، بعدما تقدمت الفرق والمجموعة النيابية من الأغلبية والمعارضة، بأزيد من 500 تعديل همّت مختلف مواد النص التشريعي في وقت تمسك فيه وزير العدل بجوهر المشروع مع تحفظه على غالبية التعديلات المقترحة وقبوله عددا محدودا منها فقط، وهو ما عمّق التوتر مع الهيئات المهنية التي كانت تراهن على إدخال تعديلات أوسع تحفظ ما تعتبره “ثوابت المهنة”.

وفي بلاغ شديد اللهجة صدر عقب اجتماع طارئ انعقد بالرباط، اتهم مكتب الجمعية وزير العدل بعدم الالتزام بالتوافقات السابقة التي جرى التوصل إليها مع الحكومة، مؤكدا أن الحكومة كانت قد التزمت، عبر رئيسها، بعدد من التعديلات المتفق بشأنها خلال مرحلة إعداد المشروع، قبل أن يتم وفق تعبيرهم “الالتفاف عليها” خلال المناقشة البرلمانية.

وقالت الجمعية إنها تسجل “عدم التزام وزير العدل بالتعديلات المقدمة من طرف الأغلبية نفسها” معتبرة أن الوزير “جنح إلى تقديم تعديلات شفوية ضدا على المنهجية المتعارف عليها” في إشارة إلى تعديلات اعتبرتها الجمعية “ماسة باستقلالية المهنة وبحصانتها”.

كما اتهما الجمعية الوزير برفض تعديلات تقدمت بها فرق برلمانية من الأغلبية والمعارضة، وقالت إنها كانت تهدف إلى “تعزيز ثوابت المهنة وضمان استقلاليتها وحصانتها” معتبرة أن ما حدث داخل اللجنة يعكس “توجها مقلقا” في التعامل مع واحدة من أكثر المهن ارتباطا بمنظومة العدالة والحريات.

ولم يتوقف التصعيد عند حدود انتقاد المضامين القانونية، بل امتد إلى اتهامات مباشرة لوزير العدل باستهداف مؤسسة النقيب ومحاولة إضعافها داخل بنية المهنة.

وفي هذا السياق، سجل مكتب الجمعية ما وصفه بـ”حرص وزير العدل على إقصاء مؤسسة النقيب” عبر “شيطنتها والتحجير عليها بالنص القانوني دون مبررات موضوعية وبخلفيات غير مفهومة” معتبرا أن الاستهداف المتكرر لمؤسسة النقيب بما تمثله من “رمزية تاريخية ومكانة اعتبارية راسخة في تقاليد المحاماة وطنيا ودوليا” لا يمكن فهمه إلا باعتباره “توجها يروم تحويل النقباء إلى خصوم بدل التعامل معهم كشركاء مؤسساتيين في صيانة العدالة وحماية الحقوق والحريات”

ويأتي هذا الاتهام في سياق الجدل الذي رافق التعديلات المرتبطة بتمثيلية النقباء السابقين داخل مجالس الهيئات بعدما كانت وزارة العدل قد دفعت في مراحل سابقة نحو تقليص حضورهم بشكل كبير، قبل أن يتم التراجع جزئيا عن بعض الصيغ بعد الضغط المهني والسياسي.

غير أن جمعية هيئات المحامين تعتبر أن المشروع، رغم التعديلات التي أُدخلت عليه ما يزال يحمل “نزعة واضحة لإعادة هندسة موازين القوة داخل المهنة” وإضعاف الأدوار التقليدية للنقباء والهيئات.

وأضاف المصدر ذاته، أن النص المصادق عليه تضمن “تعديلات تراجعية تضرب في العمق التوافقات السابقة مع رئيس الحكومة” معبرا عن رفضه لما وصفه بـ”الأسلوب الالتفافي وأسلوب التحدي الصادر عن وزير العدل” إلى جانب “اللغة غير المقبولة” التي قال إنها صدرت في حق نقباء المهنة خلال المناقشة البرلمانية سواء من الوزير أو من بعض النواب.

واعتبر المكتب أن هذه اللغة تعكس “حقدا دفينا ورغبة في تحقيق تموقعات شخصية أو تصفية حسابات” في واحدة من أكثر العبارات حدة التي استُعملت منذ بداية الجدل حول مشروع القانون.

وفي المقابل، حرصت الجمعية على التأكيد أن النقباء الحاليين كانوا “أول المدافعين عن أحقية الزملاء الشباب والزميلات في التمثيلية المتوازنة داخل المجالس وذلك ردا على بعض الانتقادات التي اتهمت النقباء بمحاولة الحفاظ على امتيازاتهم داخل الهيئات”.

وأكدت أن النقباء هم أيضا من تمسكوا بحصر الترشح لمنصب النقيب في ولاية واحدة غير قابلة للتجديد، تكريسا لمبدأ التداول على المسؤولية داخل المهنة.

كما شددت الجمعية على أن أي محاولة لخلق شرخ داخل صفوف المهنة وبين أجيالها لن تفلح معتبرة أن المحاماة “جسد واحد لا يخترق” وأن قوتها “كانت ولا تزال وستظل في وحدتها واحترام أعرافها والانسجام بين مكوناتها”.

وفي مؤشر على اتجاه التصعيد نحو مستويات غير مسبوقة، أعلن مكتب الجمعية عزمه خوض “معركة نضالية وجودية” دفاعا عن المهنة، مع التعهد بالإعلان عن الخطوات النضالية المقبلة في حينها، إلى جانب الإبقاء على اجتماع المكتب مفتوحا.

ويرى متابعون أن إعلان النقباء نيتهم تقديم استقالات جماعية يمثل تطورا غير مسبوق داخل تاريخ العلاقة بين وزارة العدل وهيئات المحامين بالمغرب، ويعكس حجم التوتر الذي بلغه النقاش حول مشروع القانون، إذ يعتبر المشروع من أكثر النصوص التشريعية حساسية داخل منظومة العدالة المغربية عل يرتبط بشروط اعتبار أنه يرتبط بالولوج إلى المهنة أو تنظيمها ويتعلق أيضا بإعادة رسم التوازنات داخل واحدة من أكثر المؤسسات تأثيرا في الحقل الحقوقي والقضائي والسياسي بالمغرب.

وفي هذا الإطار، قال محمد عواد المحامي والخبير في قضايا العدالة والقانون الدستوري، إن “ما يجري اليوم داخل مهنة المحاماة تحول إلى أزمة ثقة حقيقية بين وزارة العدل والجسم المهني بسبب شعور متزايد لدى المحامين بأن هناك إرادة لإعادة تشكيل المهنة بمنطق الضبط السياسي والإداري بدل منطق الشراكة المؤسساتية”.

وأوضح عواد في تصريحه لـ “الصحيفة” أن “التصعيد الحالي طبيعي بالنظر إلى الطريقة التي أُدير بها النقاش داخل البرلمان خاصة مع إحساس المحامين بأن التوافقات السابقة جرى الالتفاف عليها وأن بعض التعديلات لم تكن تستهدف فقط تنظيم المهنة بل تقليص مراكز القوة داخلها وإضعاف مؤسساتها الرمزية”.

وتابع قائلا: “حين يصل الأمر إلى تلويح نقباء الهيئات السبعة عشر بالاستقالة الجماعية فنحن أمام مؤشر خطير جدا على حجم الاحتقان داخل المهنة لأن النقباء تاريخيا كانوا يمثلون صمام أمان وضبط داخل المحاماة، وليسوا مجرد مواقع انتخابية عابرة”.

واعتبر عواد أن استهداف مؤسسة النقيب أو محاولة تحجيمها يفتح الباب أمام شرخ عميق داخل منظومة العدالة، لأن استقلال المحاماة لا يقاس فقط بالنصوص، بل أيضا بقدرتها على الحفاظ على أعرافها وتوازناتها التاريخية.

وأضاف أن الرسالة التي يبعثها المحامون اليوم واضحة ومفادها هناك خطوط حمراء مرتبطة باستقلال المهنة لا يمكن تمريرها بمنطق الأغلبية العددية داخل البرلمان لأن المحاماة ليست إدارة تابعة للسلطة التنفيذية بل جزء من منظومة حماية الحقوق والحريات.

وختم تصريحه بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من التصعيد المهني والقانوني، لأن جزءا واسعا من المحامين يعتبر أن ما وقع لا يتعلق فقط بمشروع قانون بل بمحاولة إعادة تعريف دور المحاماة وموقعها داخل الدولة، وهذا ما يفسر الحديث اليوم عن معركة وجودية لا مجرد خلاف تشريعي عابر.

ومن بين أبرز المقتضيات التي أثارت الجدل داخل المشروع، رفع سن الولوج إلى المهنة إلى 45 سنة، والإبقاء على شرط الحصول على شهادة “الماستر” واعتماد نظام المباراة بدل الامتحان وإحداث معهد للتكوين، إضافة إلى توسيع اختصاصات المحامي والسماح بإبرام عقود تعاون مع محامين وشركات أجنبية.

كما فجرت التعديلات المتعلقة بأساتذة التعليم العالي المتخصصين في القانون نقاشا واسعا، بعدما تمت المصادقة على إعفائهم من شهادة الكفاءة ومن جزء من فترة التمرين وهو ما أعاد إلى الواجهة ملف “المزاوجة” بين التدريس الجامعي والمحاماة، الذي كان قد أثار بدوره احتجاجات ووقفات أمام البرلمان خلال الأسابيع الماضية.

وتكشف الأزمة الحالية أيضا حجم التوتر المتصاعد بين جزء من الجسم المهني ووزير العدل عبد اللطيف وهبي، الذي وجد نفسه منذ بداية الولاية الحكومية في مواجهة مفتوحة مع عدد من الهيئات المهنية والقضائية والحقوقية بسبب عدد من مشاريع القوانين والمواقف المثيرة للجدل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *