330 الف منقطع عن الدراسة… رقم يثير التساؤل حول دقته وسياقه السياسي

أريفينو.

أعاد وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة محمد سعد برادة، داخل قبة البرلمان، ملف الهدر المدرسي إلى واجهة النقاش العمومي، بعد إشارته إلى معطيات تفيد بوجود حوالي 330 ألف طفل في وضعية انقطاع عن الدراسة، وهو رقم سرعان ما أثار نقاشاً واسعاً حول دقته وسياقه، خصوصاً أنه جاء في إطار مواجهة سياسية بين الحكومة والمعارضة، ما جعل القراءة تتجاوز بعدها التقني إلى بعد سياسي واضح.
هذا المعطى فتح باب التساؤل حول كيفية التعامل مع الأرقام المرتبطة بقطاع حساس مثل التعليم، وهل يتعلق الأمر بمؤشر سنوي يعكس استمرار الظاهرة، أم بمعطى يُستعمل داخل سياق سياسي ظرفي لتغذية الجدل حول أداء الحكومات السابقة والحالية. وبين هذا وذاك، يظل الإشكال قائماً حول حدود توظيف المؤشرات الاجتماعية في النقاش السياسي دون الوقوع في التبسيط أو التوظيف الانتقائي.
في العمق، يظل الهدر المدرسي ظاهرة مركبة لا يمكن فصلها عن السياق الاجتماعي والاقتصادي العام، إذ تتداخل فيها عوامل الفقر والهشاشة وضعف البنيات التحتية التعليمية، خصوصاً في المناطق القروية، إلى جانب إشكالات مرتبطة بجاذبية المدرسة العمومية وقدرتها على الاستمرار في احتضان المتعلمين داخل المسار الدراسي، وهو ما يجعل الظاهرة نتيجة لتراكمات طويلة وليست وليدة مرحلة سياسية بعينها.
كما أن استمرار هذا النقاش يطرح تساؤلات حول فعالية السياسات العمومية في قطاع التعليم، رغم تعدد البرامج والمخططات الإصلاحية خلال السنوات الماضية. فهل تكمن الإشكالية في ضعف التصور الاستراتيجي، أم في صعوبة التنزيل على أرض الواقع، أم في غياب التنسيق بين مختلف المتدخلين؟ أسئلة تبقى مفتوحة في ظل استمرار نفس المؤشرات المقلقة المرتبطة بالانقطاع المدرسي.
وفي النهاية، يبدو أن ملف الهدر المدرسي لم يعد مجرد رقم أو تصريح سياسي داخل البرلمان، بل أصبح مرآة تعكس عمق التحديات التي تواجه المنظومة التعليمية ككل، ما يفرض نقاشاً أكثر هدوءاً وعمقاً بعيداً عن منطق تبادل المسؤوليات، نحو مقاربة شاملة تربط التعليم بباقي السياسات الاجتماعية، بهدف الحد من هذه الظاهرة وضمان حق التمدرس بشكل فعلي ومستدام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *