500 درهم في زمن الغلاء.. هل يكفي الدعم الاجتماعي المباشر لإنقاذ الأسر المغربية من الأزمة المعيشية؟

أريفينو.

منذ إطلاق ورش الدعم الاجتماعي المباشر بالمغرب، عاد النقاش بقوة داخل الشارع المغربي حول مدى قدرة هذا البرنامج على تخفيف الضغط الاقتصادي المتزايد الذي تعيشه آلاف الأسر، خصوصا في ظل موجة غلاء غير مسبوقة مست مختلف المواد الأساسية والخدمات اليومية، حيث يرى كثير من المغاربة أن الأزمة المعيشية أصبحت تتجاوز مجرد ارتفاع ظرفي في الأسعار، لتتحول إلى ضغط يومي يثقل كاهل الأسر الفقيرة وحتى جزءا من الطبقة المتوسطة.

ويعتبر الدعم الاجتماعي المباشر واحدا من أكبر المشاريع الاجتماعية التي أطلقتها الدولة خلال السنوات الأخيرة، تنفيذا للتوجيهات الملكية السامية المتعلقة بتعميم الحماية الاجتماعية، إذ تراهن الحكومة على هذا الورش لتقليص الفوارق الاجتماعية ومساعدة الفئات الهشة على مواجهة تكاليف الحياة المتزايدة، بعدما انتقلت الدولة من منطق دعم بعض المواد الأساسية بشكل غير مباشر إلى تحويل مساعدات مالية مباشرة للأسر المستحقة.

وبحسب المعطيات الرسمية، فإن البرنامج يستهدف حوالي أربعة ملايين أسرة مغربية، أي ما يفوق 12 مليون مواطن، بغلاف مالي تجاوز 26 مليار درهم سنويا، مع توقعات بارتفاع هذا الرقم خلال السنوات المقبلة. وتتراوح قيمة الدعم ما بين 500 و1200 درهم شهريا حسب عدد الأطفال والوضعية الاجتماعية للأسرة، غير أن الحد الأدنى المحدد في 500 درهم يظل الأكثر تداولا وإثارة للنقاش داخل الشارع المغربي.

ورغم أهمية هذا الدعم بالنسبة لعدد من الأسر التي لم تكن تستفيد سابقا من أي تحويل مالي مباشر، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو ما إذا كان هذا المبلغ قادرا فعلا على مواجهة واقع الغلاء الحالي، خصوصا بعد الارتفاع الكبير الذي شهدته أسعار المواد الأساسية والخدمات خلال السنوات الأخيرة.

فالمواطن المغربي اليوم يواجه سلسلة متواصلة من الزيادات التي مست مختلف جوانب الحياة اليومية، بداية من المواد الغذائية الأساسية وصولا إلى النقل والكهرباء والعلاج والكراء. ففي فترات متعددة، تجاوز سعر زيت المائدة 25 درهما للتر الواحد، فيما قفزت أسعار اللحوم الحمراء إلى مستويات قياسية تخطت أحيانا 100 درهم للكيلوغرام، كما عرفت أسعار الخضر والفواكه ارتفاعات متكررة بسبب الجفاف والمضاربة وتقلبات السوق، في الوقت الذي استمرت فيه تكاليف النقل في الارتفاع نتيجة زيادة أسعار المحروقات.

هذه الوضعية جعلت عددا كبيرا من الأسر المغربية يعيش ضغطا يوميا لتدبير أبسط متطلبات العيش، خصوصا بالنسبة للعائلات التي تعتمد على دخل محدود أو غير قار. فأسرة مكونة من خمسة أفراد تحتاج اليوم، وفق تقديرات خبراء اقتصاديين وجمعيات لحماية المستهلك، إلى ما بين 4000 و6000 درهم شهريا لتغطية الحاجيات الأساسية فقط، دون احتساب المصاريف الطارئة أو الترفيه أو الادخار.

وعند مقارنة هذه الأرقام بمبلغ 500 درهم، يتضح حجم الفارق الكبير بين الدعم المقدم وحجم النفقات الحقيقية. فهذا المبلغ قد يغطي بالكاد جزءا من المصاريف الغذائية لأيام معدودة، أو أداء فاتورتي الماء والكهرباء، أو جزءا بسيطا من تكاليف النقل أو التمدرس، لكنه لا يبدو كافيا لتوفير استقرار معيشي حقيقي للأسر الأكثر هشاشة.

ويرى عدد من الخبراء أن الإشكال لا يتعلق فقط بقيمة الدعم، بل أيضا بسرعة تآكل القدرة الشرائية بسبب التضخم المستمر، حيث إن أي مبلغ مالي إضافي تفقد قيمته تدريجيا مع ارتفاع الأسعار. فحين ترتفع أسعار المواد الأساسية بوتيرة أسرع من ارتفاع المداخيل، يصبح المواطن عاجزا عن الإحساس بأي تحسن فعلي في مستوى عيشه، حتى وإن استفاد من دعم مباشر.

وفي المقابل، تدافع الحكومة عن هذا المشروع باعتباره خطوة اجتماعية غير مسبوقة، مؤكدة أن الهدف من الدعم ليس تعويض دخل الأسر بشكل كامل، بل التخفيف من آثار الهشاشة الاجتماعية ومساعدة الفئات المحتاجة على مواجهة جزء من المصاريف الأساسية. كما ترى أن تحويل الأموال مباشرة إلى الأسر أكثر فعالية وعدالة من دعم بعض المواد، لأن أنظمة الدعم السابقة كانت تستفيد منها جميع الفئات بما فيها الميسورة.

وتؤكد الحكومة كذلك أن الدعم الاجتماعي المباشر يندرج ضمن رؤية شاملة تشمل تعميم التغطية الصحية وإصلاح التعليم وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية وتحسين الاستهداف عبر السجل الاجتماعي الموحد، الذي يفترض أن يضمن وصول المساعدات إلى الفئات الأكثر استحقاقا.

غير أن هذه التبريرات لا تمنع استمرار الانتقادات داخل الأوساط الشعبية، حيث يعتبر كثير من المواطنين أن الدعم “يتبخر” بسرعة بسبب الغلاء، وأن الأسر أصبحت تحتاج إلى أكثر من مجرد تحويلات مالية محدودة لمواجهة الوضع الاقتصادي الحالي. كما يرى متتبعون أن جزءا من الأزمة مرتبط أيضا بضعف مراقبة الأسواق واستمرار المضاربة وغياب توازن واضح بين الأجور والأسعار.

وفي خضم هذا النقاش، يبرز ملف الطبقة المتوسطة باعتباره واحدا من أكثر الملفات حساسية، إذ إن عددا كبيرا من الأسر التي لا تستفيد من الدعم تجد نفسها بدورها تحت ضغط اقتصادي قوي، خصوصا مع ارتفاع تكاليف الكراء والدراسة والعلاج، ما جعل فئات كانت تعتبر مستقرة نسبيا تدخل بدورها دائرة الهشاشة بشكل تدريجي.

ويرى خبراء اقتصاديون أن نجاح أي سياسة اجتماعية يظل مرتبطا بوجود إصلاحات موازية تشمل خلق فرص الشغل وتحسين الأجور ومراقبة الأسواق وتحفيز الاستثمار المنتج، لأن الدعم المالي وحده لا يمكن أن يشكل حلا دائما للفقر أو الغلاء، بل مجرد آلية للتخفيف المؤقت من حدة الأزمة.

كما يدعو مختصون إلى مراجعة قيمة الدعم بشكل دوري وربطها بمؤشرات التضخم، حتى لا تفقد فعاليتها مع مرور الوقت، خصوصا أن الأسعار تعرف تغيرات مستمرة تجعل المبالغ الثابتة عاجزة عن مواكبة الواقع المعيشي.

وبين من يعتبر 500 درهم خطوة إيجابية تستحق التثمين، ومن يراها غير كافية إطلاقا أمام الارتفاع الكبير لتكاليف الحياة، يبقى المؤكد أن معركة الحفاظ على القدرة الشرائية أصبحت واحدة من أكبر التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه المغرب اليوم، وأن نجاح أي مشروع اجتماعي سيظل رهينا بمدى قدرة الدولة على تحقيق توازن حقيقي بين الدعم المباشر وضبط الأسعار وتحسين مستوى الدخل وفرص العيش الكريم للمواطنين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *