البحث عن الذات في مجتمع الوهم

بقلم: عماد لبوز
أجمع العديد من الفلاسفة والمفكرين، بالإضافة إلى العديد من علماء النفس – الاجتماعي على أن الشخص أو الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، ذات مفكرة تسعى دائما إلى التجديد في حياتها، ذات تملك شخصيات متعددة ومختلفة تساعدنا من خلال تحليلها على فهم أسرار الوجود البشري وفهم أسباب سلوكياته اليومية الإرادية، اللاإرادية والوهمية التي يعيش فيها، وكذا معرفة القوى التي تحركه داخليا وعقلانيا، حيث نجد شخصيات تكون أكثر حيوية مع الناس، وإذا جلست وحيدة تشعر بالاكتئاب والضيق، وأخرى تكون أكثر حيوية عندما تجلس مع نفسها وتفاعلها مع الناس محدود، شخصيات تتفاعل مع الآخرين بكل نشاط وحماس، تتفاعل مع الحدث بسرعة قبل أن تفكر، وأخرى تتفاعل مع الحدث بعد أن تفكر بعمق، ولا تستعجل وتتأنى، شخصيات تثق في الحقائق المؤكدة ولا تثق في الخيال، وأخرى تثق بالإلهام والاستنتاج والاستنباط، تنظر للصورة العامة دون الدخول في التفاصيل، بالإضافة إلى وجود شخصيات عاطفية مرهفة الحس صاحبة أخلاق عالية، تحب أن يشكرها الناس ويمدحونها، وأخرى لا تشارك الآخرين تفاصيل حياتها الشخصية، غامضة وقليلة الأصدقاء، تستمع أكثر مما تتكلم، عميقة التفكير والتركيز.
إن مجتمع بلدان العالمثالثية أو البلدان في طور النمو كما تسمى حاليا، بكل ألوان خطاباته، السياسية، الاجتماعية، الدينية والثقافية، ألبست العقل الاجتماعي حالة عدم القدرة على الإنجاز، فعاش المجتمع في النهاية تحت مظلة الوهم التي وسعت كل شيء، فأصبح كل فرد فيه يعيش حالة الوهم، حيث هناك ثلة من المثقفين تعتقد أنها وصية على الناس، مدعية المثالية والسعي وراء سعادة المجتمع، مختبئة خلف رغبة إشباع الظهور، السيطرة، المركزية والحصانة، وادعائهم لامتلاك الحقيقة مع ما تتضمنه من يقين مطلق وهو بدون شك وهم محض يتجاوز فيه الإنسان الواقع، مما حول ذواتنا والمجتمع بصفة عامة إلى وهم. بالإضافة إلى بروز ظاهرة الازدواجية بين التفكير والسلوك العملي للإنسان، إذ اختفت تدريجيا مسألة الاتساق والتوافق بين ما يقوله أو ما يؤمن به، وبين ما يمارسه ويفعله في حياته اليومية، وأصبحت حالة الازدواجية هذه أشبه بالوهم، حيث يكون المرء على يقين مما يقوله ويتوهم بأنه حقيقة لكنه لا يحقق ذلك فعليا على أرض الواقع. وامتدت هذه الازدواجية إلى الممارسة الدينية عند شريحة من الأفراد فهناك من يأمر بالمعروف وينسى نفسه، ويدعو الآخرين إلى الفضائل والأخلاق ويبيح لنفسه ما يحرمه عليهم. كما برزت أيضا ظاهرة الاهتمام بالأمور الشكلية والابتعاد عن المضمون والجوهر، والاهتمام بالشكليات والكماليات التي تؤدي بدون شك إلى الابتعاد التدريجي عن الواقع خصوصا إذا هيمن على تفكير الفرد، وقادته إلى الإحساس والعيش في الكمال والمثالية.
شكل التخلف النفسي والعقلي نمط حياة الفرد داخل المجتمع، فبالرغم من وجود فئة تتمتع بقليل من الحظ وتقترب من السيطرة والهيمنة سواء على المجال الاقتصادي أو الفكري النخبوي، إلا أنها لا تخلو من الوهم والتخلف من كل جوانبه، لأنها تتصف أيضا بنفس صفات الإنسان المتوهم، وتتستر فقط بقناع التقدم أو السلطة السطحية التي تمارسها على الفئات الاجتماعية المقهورة، وبالتالي يمكننا فقط انتزاع هذا القناع حتى نتأكد ونتيقن من أن هذه الشخصيات تحكمها نفس القوى والمعايير التي تحكم هذه الفئات المقهورة. فبينما يتباهى الفلاح بسيده إلى أنه في عمقه يشعر بنوع من الدونية والحقد في بعض الأحيان اتجاهه، نرى السيد يتماهى ويتباهى بدوره بالمستعمر أو الرأسمالي الأوروبي أو الأمريكي، ويشعر بالدونية نفسها اتجاهه.
إن العيش في عالم يغلبه طابع العنف المفروض (الاستعمار) المتمثل في الحروب الممارسة على الشعوب التي تتوق إلى التحرر من قيود الاستبداد الأجنبي الامبريالي الذي ما فتئ يسعى اليوم ليس إلى امتلاك كل ما هو مادي فقط، بل إلى امتلاك الذات وتوهيمها بأشياء صعبة المنال والتحقق نظرا لقصر تفكير البشرية خاصة في العالم الثالث، فكيف لإنسان لا يجد قوت يومه أن يحلم كل يوم بامتلاك ما يملكه نجوم الفساد الاجتماعي، أليس هذا بوهم ؟؟؟ وكيف لإنسان أمي لا يفكر، لا يحلل، لا يقرأ، لا يناقش… أن يصبح بين ليلة وضحاها إنسانا متغيرا لأنه وهم من طرف النخبة المثقفة الفاسدة بمفاهيم ضخمة وواسعة كالتغيير والتقدم… أليس هذا وهما؟؟؟ في حين أن المثقف المؤثر (بغض النظر عن توجهه الفكري) لا يقترب من الناس ويبتعد عن وهم فهم قضايا المجتمع من بعيد، عبر النظريات الأكاديمية والبحوث التي أنتجت في مجتمعات بعيدة (أمريكا، فرنسا، بريطانيا… )، أما إن أراد المثقف أن يعيش في صومعته الفكرية، في جامعته أو مع دائرته الخاصة، فهذا شأنه ما دام لا يشتكي من قطيعة المجتمع أو من أن أصحاب الفكر الآخر الذين اختطفوا مجتمعه.
تجاوز العيش في الوهم ليس بالأمر السهل، نظرا لتجذر خصائصه في النفوس الفردية، وفي مختلف البنيات الاجتماعية للمجتمع، ولابد من وعي دائم للقضاء على مكامن التخلف النفسي -الذي يعتبر من أعمدة الوهم -، التي تفعل فعلها بشكل خفي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *