التوظيف المباشر لحاملي الشواهد العليا الموقعين على محضر 20 يوليوز

أثارنا الإصرار الصريح والقوي للسيد رئيس الحكومة بخصوص عدم إمكانية التوظيف المباشر لحاملي الشواهد العليا الموقعين على محضر 20 يوليوز 2011 وذلك بعلل مختلفة .لكن ما لفت إنتباهنا أكثر هو تصريحه بأن عدم التوظيف كما ذكر بوصفه، يستند إلى رغبته الأكيدة في إحترام المقتضيات الدستورية و القانونية في هذا المجال. وهو ما يدفعنا كباحث في مجال العلوم القانونية والدراسات القضائية للإدلاء بالإحترازات الشكلية و الموضوعية الآتية :
أولا: على مستوى الشكل:
_1- بالعودة الى المحضر المستبعد ، فإننا نجده محتويا بالإضافة الى توقيعات كل المجموعات والتنسيقيات المتضمنة للحاصلين على الشواهد العليا الباحثين عن العمل، توقيعين مهمين يجسدان مظاهر السلطة العامة دالين على إلتزام الحكومة السابقة في توظيف هؤلاء وهما توقيع السيد محمد الركراكة العامل الملحق بولاية جهة الرباط-سلا-زمور-زعير و توقيع السيد ممثل وزارة تحديث القطاعات العامة.
وقد وضع على التوقيعين خاتم الوزير الأول بالنسبة للتوقيع الأول وكذا خاتم وزارة تحديث القطاعات العامة بالنسبة للتوقيع الثاني.
إن صيغتي التوقيع والختم المذكورتين تؤكدان أن الوزير الأول السابق قد فوض للمذكورين لتمثيله في التوقيع على هذا المحضر وكل القرائن كما ذكر تؤكد ذلك.
لكن ، إذا ما قيل عكس ذلك ، فإن الأمر يستدعي القول بأن الموقعين على المحضر باسمهما وصفتهما قد اغتصبا السلطة والتزاما بما لم يقع فيه تفويض من الوزير الأول، وهو ما يتطلب اللجوء الى القضاء الإداري للمطالبة بالتعويض بناء على ذلك.
بيد أن ذلك مستبعد كلية وذلك لاعتبارين أساسين هما :
كون الوزير الأول السابق سكت عن دحض الموضوع وإنكار التزامه الى حدود الساعة ،
كون المحضر ينص في ديباجته على أن الأمر يتعلق بمبادرة حكومية وأنه سيتم برمجة المناصب المالية الخاصة بعملية التوظيف المباشرة هاته برسم السنة المالية 2012،
_2- من القرائن الأخرى الدالة على شرعية الالتزام الحكومي السابق هو الحديث عن إدماج 4304 إطارا بمختلف الإدارات العمومية في عمليات التوظيف المباشر السابقة.
ولذلك فإن الالتزام الحكومي السابق موجب تنفيذه من لدن الحكومة الحالية في إطار المبدأ المعروف باستمرارية المرفق العمومي . فهذه الاستمرارية ليست خاضعة لهوى المسيرين وآرائهم بل لمنطق الشرعية الدستورية والقانونية التي لا تنفي الطابع الصحيح على محضر 20 يوليوز 2011 وذلك ماسنبينه في العنصر الموالي.
ثانيا : على مستوى الموضوع :
1 _ تحدث السيد رئيس الحكومة بما يدل على أنه من غير الممكن توظيف الموقعين على محضر 20 يوليوز 2011 بعلة أن القانون لا يمكنه من ذلك وبعلة أن ذلك أيضا مناف لمبدأ دستوري مهم ألا وهو المساواة.
في هذا الإطار إسمحوا مرة أخرى بأن أذكر أن المحضر قد وقع بتاريخ 20 يوليوز 2011 أي بموازاة النفاذ التشريعي للمرسوم رقم 2.11.100 الذي يتيح من خلال مادته الأولى بصفة استثنائية وانتقائية الى غاية 31 دجنبر 2011 التوظيف المباشر لحاملي الشواهد العليا المطلوبة.
فهذا المحضر يعتبر نوعا من التفعيل النظامي والأجرأة المضبوطة للمرسوم 2.10.100 السابق الإشارة اليه ويندرج ضمن سياق تطبيقه زمنيا.
أما المرسوم رقم 2.11.621 الذي يتستدل به بين الفينة والأخرى فقد صدر بتاريخ 27 دجنبر 2011 أي أربعة أيام قبل إنقضاء الآثار التشريعية للمرسوم 2.10.100.
وقد دعت المادة 18 منه الى تطبيقه ابتداء من فاتح يناير من سنة 2012 ، علما بأن المدة الزمنية لتنفيذ مرسوم التوظيف المباشر تنقضي بتاريخ 31 دجنبر 2011 ، وبالتالي فلا تعارض بين هذين المرسومين إطلاقا .
فالأول يتحدث عن التوظيف المباشر خلال سنة 2011 فقط ، في حين يتحدث الثاني عن شروط وكيفيات تنظيم مباريات التوظيف في المناصب العمومية بعد 31 دجنبر 2011 أي في المستقبل من الأيام.
ثم أنه بالعودة الى قانون الوظيفة العمومية حسبما وقع تغييره وتتميمه، فإنه لا يتحدث عن المباريات كمنهج وحيد أوحد للولوج الى الإدارات والمؤسسات العمومية بل ورد في الفصل الثاني والعشرون كما هو معدل ” يجب أن يتم التوظيف في المناصب العمومية وفق مساطر تتضمن المساواة بين جميع المترشحين للولوج الى نفس المنصب، ولا سيما حسب مسطرة المباراة.”.
فالبناء اللغوي لهذا النص التشريعي لا يدل إطلاقا على أنه ذو دلالة قطعية تفيد
أن المباراة هي الوسيلة الموضوعية الوحيدة الكفيلة بالعمل داخل قطاع الوظيفة العمومية، بل إنه يتحدث عن مساطر للتوظيف تضمن المساواة ومنها مسطرة المباراة.
2-_ قد يقال أن النص الدستوري يتحدث عن المساواة وبالتالي لا مجال للحديث عن التوظيف المباشر. هذا القول مردود عليه للعديد من الاعتبارات وهي:
-أن محضر 20 يوليوز 2011 سابق في تطبيقه على النص الدستوري السامي بدليل أن الفصل السادس من الدستور نفسه ينص في فقرته الأخيرة على أن ليس للقانون أثر رجعي، وبالتالي لا مجال لهذا الاستدلال،
أن الدستور نشر بالجريدة الرسمية في 30 يوليوز 2011 ،
النص الدستوري عندما تحدث عن المساواة في الفقرة الثانية من الفصل السادس منه ، فإنه يشكل سندا قويا لصالح التوظيف المباشر ، إذ كيف يعقل أن يتم توظيف مجموعة من حاملي الشهادات سنة 2011 بناء على المرسوم 2.10.100 ويتم التوقيع مع آخرين لتعدهم الحكومة بتوظيفهم ضمن نفس الإطار فتخل بالتزامها ووعدها . فما وجه المساواة بين الذين استفادوا والذين لم يستفيدوا؟
-عدم تنفيذ محضر 20 يوليوز 2011 بعد صدور دستور 2011 وبعده مرسوم 2.11.621 ، ماهو إلا تأجيل وتراخي في التنفيذ موجب للتطبيق في جميع الأحوال.
أدلينا برأينا بخصوص الحديث الدائر حول التوظيف المباشر بناء على محضر 20 يوليوز 2011 وإذ نتشبت من وجهة نظر قانونية قابلة للتفصيل في مناسبات نقاش مقبلة بحول الله ، فإننا نتفهم عدم رغبة رئيس الحكومة في تنفيذ محضر 20 يوليوز 2011 وذلك من زاويتين :
أن تنفيذه سيثير إشكالا بالنسبة لباقي حاملي الشواهد العليا الغير الموقعين على محضر 20 يوليوز 2011 وكذا أولئك الذين نالوا الشواهد المطلوبة بعده في سنة 2011، لأنه لا يعقل منطقيا تبرير عدم توظيفهم بعلة عدم توقيعهم أو ورودهم في المحضر المذكور، وإلا سيكون ذلك من باب عدم المساواة بينهم وعدم تكافئ الفرص كما هو منصوص عليه دستوريا،-أنه لم يكن هناك من مبرر موضوعي لسن المرسوم 2.1.100 خلال سنة 2011 ، لأنه كان يجدر التعامل مع حاملي الشواهد العليا الباحثين عن العمل في إطار مقاربة أخرى.
إن هذا الملف ينبغي بصدده إعمال المقاربة التشاورية بين جميع الفرقاء والفاعلين بغض النظر عن جميع التوجهات وذلك بإعتباره شأنا مجتمعيا خالصا وليس شأنا حكوميا خاصا .
“وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون” صدق الله العظيم