الدستور الجديد : بين بوادر الإصلاح والواقع السياسي

هيثم شملال

لقد أثار مشروع الدستور الجديد الذي أعلن عنه جلالة الملك محمد السادس نصره الله في خطابه الأخير موجة
من ردود الأفعال المتباينة ، فما بين مؤيد لبنوده وحيثياته كسابقة تاريخية نحو الإنتقال الديمقراطي وما بين مشكك ببعض تفاصيله لكونه لم يلبي مطالب شريحة واسعة من المجتمع المغربي، ناهيك عن من حث على مقاطعته معتبراً إياه من الجرعات المثبطة للآلام وليس ترياقا ناجعا للسموم المستشرية بالواقع المغربي ككل.

منذ اعتلاء الملك محمد السادس مقاليد الحكم سيقطع المغرب مع مجموعة من الممارسات القمعية والمخزنية التي عرفها في العقود السالفة، وسيلج تدريجيا غمار الإصلاحات التنموية في شتى المجالات والميادين عن طريق إحداث تغييرات جذرية وملموسة نحو الديمقراطية والعدالة الإنسانية ودولة الحق والقانون، كما سيبادر بالتوقيع على مختلف المعاهدات والمواثيق الدولية التي تنص على حرية الفرد وحقوق الإنسان والمساواة بين الرجل والمرأة ،وحرية الصحافة والرأي ….وغير ذلك من الحقوق والمطالب المشروعة التي تضمن الحرية والعيش الكريم للمواطن المغربي.

غير أنه في الأعوام الأخيرة وللأسف الشديد ستتوقف عجلة الإصلاحات عن الدوران إذ أضحت الحكومات المتعاقبة تسبح عكس التيّار. حيث صرنا نشهد ممارسات تذكرنا بسنوات طالما سمعنا عن القطيعة عنها : من اعتقالات تعسفية للمواطنين ومحاكمات جائرة لا تحترم أدنى شروط العدالة والقانون ،وتوالي مشاهد القمع الممنهجة للمتظاهرين والمعطلين بالشوارع المغربية
علاوة على اتّساع رقعة الفساد المالي والإداري بالمؤسسات العمومية وتوغل أصحاب النفوذ والمصالح الضيّقة في الميدان السياسي ،وصولا إلى عدم الشفافية وانتشار الرشوة والمحسوبية ونهب المال العام والغش بمعظم شرايين وأعمدة الدولة المغربية.

فالمغرب مؤخرا صار يتذيل قاع الدول في ميدان النهوض بالتعليم واستقلالية القضاء ونزاهته ،وحرية الكلمة والأفكار وحقوق الإنسان وهو ما شكّل تراجعا حسب المنظمات الحقوقية المستقلة على مجموعة من الإلتزامات والإتفاقيات الدولية.

حاليا ، وفي خضم الثورات العربية التي غيرت وجه المنطقة ودخول ـ حركة 20 فبرايرـ اللاّعب الجديد على السّاحة السياسية ما زلنا نعيش هذا المدّ والجَزْر للإنتقال الديمقراطي فإطلاق سراح مجموعة من السياسيين وأصحاب الرآي ،والسماح لمناضلي حركة 20 فبراير (التي نختلف معها في بعض الجوانب والتحركات الفكرية) بالتظاهر السلمي والحضاري دون أي مضايقات كلها مؤشرات تتناغم مع المسلسل الإصلاحي، لكن بالمقابل هنالك ممارسات وأساليب تعيدنا إلى نقطة الصفر كاعتقال الصحفي رشيد نيني بموجب القانون الجنائي والتضييق عليه فضلاً عن التجاوزات الخطيرة بالقمع والضرب التي طالت مناضلين سلميين في بعض المدن خصوصا بعد الإغراءات الإقتصادية والمادية التي قدمها مجلس التعاون الخليجي للمغرب مما ضيق على نسائم الحرية التي شرعنا في قطف ثمارها.

قطعا، لا ننكر وجود عدة إشارات إيجابية في الدستور الذي رأى النور منذ أسبوع أو أكثر ،كمنح بعض المفاتيح السيادية للوزير الأول والتي كانت حكرا على القصر الملكي ودسترة اللغة الأمازيغية كلغة رسمية والإهتمام باللهجة الحسانية ورفع سقف الحريات والحقوق ، وتغيير ملامح البرلمان الذي سمح لهذا الأخيرأن يحظى بامتياز (وضع الشريك ) من أجل الديمقراطية بالجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا وبتنويه وتشجيع جل الدول الغربية.

بيد أن المغرب ومع كل هذا، لم تتسنى له بعد فرصة الإنتقال باتجاه الملكية البرلمانية وخلع جلباب الملكية التنفيذية التي طبعت سياسة الحكم وهذا باعتراف المؤيدين لمشروع الدستور ناهيك عن أجندات الإصرار غير المسبوق من الوزارة الداخلية والإعلام العمومي على تمرير المراجعة والتصويت بالإيجاب ثم تخوين وتكفير كل من ينادي بمقاطعة الإستفتاء وهو حق مشروع يخوّله الدستور ،مما يضع علامات استفهام حول المنافسة الشريفة وغياب شروط استفتاء ديمقراطي حرّ ونزيه.

المغرب في تقديرنا يعيش مخاضا سياسيا عسيرا، نأمل أن تنبثق عنه قواعد الديمقراطية الحقة والفعلية وذلك بمواكبة العمل على تنفيذ وتطبيق مضامين الدستور الجديد الذي نعتبره قفزة نوعية إلى الأمام ؛ والضمان الفعلي للعدالة الإجتماعية والتوزيع العادل للخيرات الوطنية إضافة إلى تخليق العمل السياسي والنقابي وتغيير النخب والكوادرالحكومية ومواصلة المناهج الإصلاحية التي يرأسها الملك نصره الله، شريطة تجاوز ما يخطط له مركب المحافظة والردة كي لا يظل المسرح السياسي العام يتسم بظاهرة الشيزوفرينيا أو الإنفصام بين تجاذبات بوادر الإصلاح المعلنة والواقع السياسي المتأرجح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *