الصراع الإديولوجي في الحرم الجامعي

بقلم : خالد شنحيح

إنه الصراع أوالتعصب الإديولوجي، هو الذي أصبح ظاهرة بشعة تلقي على جامعات الوطن أوزارها، وتغزو صفوف طلبتها بتفييئهم، ولا تنعكس عليها إلا بتوليد الانفعالات السلبية، التي تجعلها تعيش أوضاعا متأزمة، ظاهرة طالما تخمد نيران فتيلها مع تطور وتقدم العصر في عالم البشرية، وإلا عادت لتولد من جديد، ولتحدث التذبذب والتوتر القوميين في المجتمع الإنساني، اللذين لا يعودان عليه إلا بمزيد من التصعيد في وتيرة التخلف الفكري والتشنج القومي، فما حقيقة عالم الإديولوجية في الفضاءات الجامعية؟؟.

لقد شكلت الظاهرة في السنوات الأخيرة تحديا حقيقيا يعم شتى جامعات الوطن، حتى ظلت تتفاقم مع تراكم الأحداث السياسية المختلفة، ونضال الطلبة المستمر على اعتبارهم فصائل متعددة، يعتبر (نافخ الكير) أو السبب الأبرز في تصعيدها، حيث أن التعدد الفكري الذي يسود صفوفهم جعلهم يخوضون نضالات عنف متتالية، ذلك بطرق مختلفة الأشكال، مع أن نضالهم يأتي في سياق ما يواجهونه من مشاكل في وسطهم الجامعي، ويحمل قواسم مشتركة ما دام شأنهم متكتلا موحدا، وما دام الشأن الجامعي عموما متعلقا بهم على نحو واحد، لكن الاختلاف العويص الذي يحددهم في فرق وشيع متشيعة، رهين باندفاع الإديولوجيات والتيارات السياسية القبلية، فقد ظلت الأخيرة تمارس نشاطاتها داخل إطار الحرم الجامعي بنوع من الميز والعنصرية، وتقمحها في نضالاتها المشروعة التي تأتي في ظل ما يعيشه من أوضاع متردية كما أشرنا، مما يبرز النضال الفرعي المزدوج، الذي يتداخل بين نضال حر وآخر مقيد برفع لواء القبلية المتميزة بالتعصب للإنتماء، التي تتغذى في غالبية الأحيان من أحداث حساسة، أو من سيناريوهات تاريخية، وحتى من القصص الشعبية المختلفة التي يروجها المتخلفون…

هذا داخلي وذاك صحراوي وذلك أمازيغي وهذا ريفي، لقد سادت وتكررت هذه العبارات، حتى نسي بها الأصل الذي يجمع الأمة في إطارها الشرعي، فلقد وجدت الكثير من المناطق الإقليمية والدولية نفسها أمام هاجس الصراع الإديولوجي السياسي في مجتمعاتها، والنماذج دوليا تتعدد، فما أصل النزاع في مالي وتوركيا وما يحدث في الصومال وكوت ديفوار، وتأزم الأوضاع في ليبيا، أضف إلى التوتر في إسبانيا…؟؟، إن هذا النوع من الصراع القومي له تأثيرات شديدة الخطورة على الوحدة وما يترتب عنها ويتعلق بها، فالتعدد الاديولوجي شيئ طبيعي، ما من أمة وإلا تعددت لغاتها وأعرافها وأعراق أفرادها، لكن الفكر الصحيح الذي يطبع عقل الإنسانية المسلمة السالمة، لا ينغمس في استئصال الاختلاف -المتعلق بجانب تعددها- بالصراع المستمر الذي لا حد ولا حل له، وإنما يومن بالمساواة بين أفراد المجتمع كيفما كان عرقهم ونسلهم، إيمانا جازما لا مرد له إلى مناقضة الأصل المبدئي فيها…، إن هذا النوع من الاتجاه الفكري الخاطئ ربما لم يعد توضيح الصواب منه مجديا، عندما تعلق بالفئة المثقفة التي يراهن عليها في المستقبل قائدة الثورة الفكرية والتنمية الثقافية الوازنة.

وكلية إقليمنا الواقعة بمنطقة سلوان، ليست استثناءا من أفعال العنف والصراع الإثنيين والجماعيين، فقد عرفت وما زالت تعرف التوتر الفصائلي في صفوف طلبتها، حيث تراكم فيها مذ تأسيسها، وأغلبية الطلبة المتحررين من التفييئ، يجدون أنفسهم أمام مأزق كبير بسببه، حيث في بعض الأحيان كنت شخصيا أعيش معهم نفس المشكل، عندما يخوض الطلبة القاعديون اعتصامات ومظاهرات أضف إلى مقاطعاتهم لأيام الدراسة، خاصة في السنة المنصرمة التي واكبت الإنتفاضات التي عرفتها معظم الدول العربية، والتي كان لها دورا حاسما وحضورا قويا في الجامعات، أما الإديولوجية فهي المهيمنة على نطاقها، إنها تمثل العنوان الأولى في نضال الفصائل الطلابية، إذ عشناها كظاهرة حية بعينها، ووقفنا على مدى التخلف الذي تمثله، حيث أننا نرى الكل في فضاء الجامعة يحملون إسم الطالب ويتقاسمون قاعات المحاضرات، بل فضاء الكلية ككل، وينضوون تحت مراقبة إدارية واحدة تسهر على شؤونهم، بيد أنهم يختلفون ويتشاجرون ويتعاركون، وينقسمون ويتفرقون إلى فصائلهم المتعددة، كهيكل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وتيار يمثل العدل والاحسان، ثم آخر أمازيغي…، ولا علم بالسبب، قد ينجلي لك من خلال هتافاتهم التي يرددونها سويا، ففريقا يرددها بالشيوعية الاشتراكية اللينينية وستالينية أو بالفلسفية الماركسية، وآخر يؤثثها بأحداث ومواضيع تاريخية تعلقت بمنطقة الريف والأمازيغ، فيما آخرون يأخذون زاوية المتفرج أو المتلقي المنفرد، وعنوان الصراع هنا محاور مضبوطة لها صلة بتراكم التحديات في الحرم الجامعي، كانعدام الخدمات المرافقة له من مطعم وحي فضلا عن المنحة، أما أصله ويا للأسف فما زال تشبثا بالإديولوجية كأولوية للنضال.

لقد صار موضوع الإديولوجية في الفضاءات الجامعية مشكلا وإشكالا صارخا، يستدعي التوعية والتدخل من جانب الساهرين على تسيير شأنها، وكذا من قبيل الفعاليات الجمعوية والحقوقية، من أجل إنقاذ زملائنا الطلبة من الوقوع تحت طائلة التشيع والتفييئ والتخلف الفكري والقومي، وكذلك لخلق ثقافة مبدئية وازنة ذات احتكام شرعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *