انفتاح البرلمان على المواطن والمجتمع المدني

نجيم مزيان / باحث في الدراسات الدستورية والسياسية

إن القضايا الهامة والمصيرية والتي تهم الدولة والمتمثلة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والتي يثار حولها الجدل تتطلب الرجوع إلى الشعب للوقوف على رأيه بشأنها، لكونه سيتحمل نتائج السياسات والبرامج المعتمدة سلبا أم إيجابا.

إن تعزيز العلاقة بين المجتمع المدني والمؤسسة التشريعية، يعني خلق مساحة جديدة لفكرة المشاركة،التي لم تعد تعني فقط حالة ولحظة المواطن الناخب،بمعنى صوت مواطن = خمس سنوات من الولاية التشريعية، فالبرلمان لم يعد مطمئنا إلى ولايته التشريعية كتفويض بدون متابعة من طرف المجتمع وقواه المدنية. إن حالة التباعد واللاتواصل التي ميزت المراحل السابق لم تعد مقبولة الآن وعليه يتطلب الأمر البحث والتقصي عن السبل الممكنة لتطوير العلاقة بين البرلمان والمجتمع المدني؟

إن أزمة النظام التمثيلي المتمثلة في قدراته على ضمان مشاركة فعالة للمواطن في العملية السياسية، في إطار الدمقرطة يمكن أن يعود بنا التفكير إلى الديمقراطية المباشرة بالرغم من استحالة هذه العودة للعديد من الأسباب الموضوعية، ولكن فتح المجال أمام منظمات المجتمع المدني بإمكانه التقرب من هذه العملية وتغطية نقائص النظام التمثيلي الذي أصبح غير ممثلا. ومن الواضح أن سؤال العلاقة بين المؤسسة التشريعية والمجتمع المدني، يبقى ضمن هذه الأسئلة الطارئة، التي لم يكن مؤيدي النظام التمثيلي يسمح بطرحها.

إن التفكير في العلاقة بين المؤسسة التشريعية والمجتمع المدني، يوجد أساسا داخل مسار الديمقراطية وليس خارجها بالتأكيد لذلك يرتبط هذا التفكير بهاجس الديمقراطية التشاركية وديمقراطية الحوار والتداول.

وتفاعلا مع مظاهر الفجوة بين المواطن والبرلمان وبين الناخبين والمقررين، بحثت الديمقراطية الغربية عن سبل فتح قنوات تواصل بين المؤسسات النيابية وبين المواطنين، خارج شكلانية العلاقة بين الناخب الحر في لحظة اختياره وبين المؤسسة التشريعية المحصنة بمشروعيتها طوال مدة الولاية.

هكذا أصبحت دلائل العمل البرلماني القيم، تقدم بشكل معياري، مؤشر تواصل المجتمع المدني والبرلمان، وإمكانية مساهمة هيئات وممثلي المجتمع في العمل البرلماني (التشريع، المراقبة، تقييم السياسات العمومية). كأحد المؤشرات الحاسمة والأساسية في تقييم أهمية الوظيفة البرلمانية.

في هذا السياق مثلا يتحدث دليل الممارسة الجيدة، المعد من طرف الاتحاد البرلماني الدولي، عام 2006. على الصيغ والأشكال التي بإمكانها أن تجعل البرلمانات متاحة لقدر أكبر من المواطنين، أفرادا وجماعات، عن طريق، أولا أساليب الاتصال المباشر بين المواطنين ونوابهم، ثم وسائل تمكين المواطنين من حل مشكلاتهم ورفع الظلم عنهم في حالة تعرضهم له، وأخيرا الفرص المهيأة لمشاركتهم في مراحل سن التشريعات وغير ذلك من أعمال لجان البرلمان.

أما المركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة في إحدى وثائقه المرجعية حول مبادئ البرلمان الصالح، فيمكن أن نطلع على أربعة مبادئ أساسية هي :

التمثيل والمشاركة
.الاستقلالية
.الأداء
.النزاهة
وفي تحليله لمعنى المشاركة نجد أن الأمر يتعلق بثلاثة مقاربات من هذه المشاركة وهي:

المقاربة الأولى: ترتبط بمدى تواصل النائب بشكل دوري مع الناخبين وحدود استمرارية هذا التواصل.

المقاربة الثانية: تهم تواصل النائب واستشارته لهيئات المجتمع المدني والخبراء.

المقاربة الثالثة: تبحث عن مدى عقد جلسات استماع دورية، للمعنيين في المجتمع المدني، في اللجان والجلسات العمومية في البرلمان.

للإشارة فإن العلاقة بين المجتمع المدني والمؤسسة التشريعية، لا تخلو من إشكاليات مقلقة على السير الطبيعي للعمل التشريعي، ويتعلق الأمر أساسا بمدى تمثيلية منظمات المجتمع المدني للشريحة الاجتماعية المفترض الدفاع عن مصالحها مثلا، أو بمدى استقلالية هذه المنظمات، عن الحكومة أو عن باقي القوى السياسية، أو بالقلق من الضغط الذي قد تمارسه بعض المنظمات ذات النفوذ والتمويل الجيد على اتجاه العمل التشريعي.

يقتضي تفعيل المشاركة الشعبية تكريس سيادة القانون، وتوفير الآليات الفعالة التي يمكن للمواطنين من خلالها ممارسة حقوقهم التي ينص عليها الدستور، وتمكين المواطنين من الحصول على المعلومات والبيانات الضرورية لفهم الواقع والتأثير فيه.

كما أنّ توسيع هذه المشاركة الشعبية في عملية صنع القرارات يتطلب تشجيع منابر الحوار وتبادل الأفكار والتعبير عنها بحرية، وإقامة قنوات مفتوحة بين المواطنين والدولة وإفساح المجال أمام المواطنين لتشكيل منظمات المجتمع المدني التطوعية لتأتي تعبيرا عن خيارات المجتمع.

ان تنصيص الدستور المغربي 2011على تقديم العرائض يسير في اتجاه تقوية المشاركة السياسية و عنصرا تقوية للمؤسسات في القيام بدورها و لكن بشكل غير مباشر و هذا يسير في اتجاه الممارسة القائم في بريطانيا ، خول للادارت الترابية و المؤسسات العمومية و الشركات التجارية و الافراد العاديين ان يتقدموا للبرلمان بعرائض تتضمن اقتراحات بقوانين تتعلق بالمصالح الخاصة.
لقد خول الدستور المغربي للمواطنين و المواطنات تقديم العرائض و ألزم السلطات العمومية بإحداث هيئات للتشاور ، الهدف منها إشراك مختلف الفاعلين الاجتماعين في إعداد السياسة العمومية و تفعيلها وتنفيذها وتقييمها. وفق ما هو منصوص عليه في الفصل 13 غير انه ترك للقانون التنظيمي تحديد كيفية ذلك.
كما تم التنصيص مند التصدير أن المملكة المغربية ” وفاءا لاختيارها الذي لا رجعة فيه، في بناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون، تواصل بعزم مسيرة توطيد وتقوية مؤسسات دولة حديثة، مرتكزاتها المشاركة والتعددية والحكامة الجيدة، وإرساء دعائم مجتمع متضامن، يتمتع فيه الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية، ومقومات العيش الكريم، في نطاق التلازم بين حقوق وواجبات المواطنة.”
و يعني هذا أن للمواطن الحق بالتقدم بمطالبه وملاحظاته او شكواه مكتوبة ، دون تقييد ذلك بشروط تتعلق بموضوع العريضة، غير ان ذلك ينبغي أن يخضع لضوابط تنظم استعمال هذا الحق و من خلال الرجوع للتراكم الذي أفرزته التجارب البرلمانية في هذا المجال، التي تقوم على فصل مرن للسلطات .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *