صناعة القرار

محمد أرغم / argham.ma@hotmail.fr
سألت ذات مساء، جدي العالم العلامة في علم الكلام، عفوا العالم الورع في علم السياسة، وهو متكئ على الأريكة، عن معنى صناعة القرار، فقال بنبرة ذات مغزى:
(” كان في ما مضى حمام في حينا، حمام شعبي اسم على مسمى، يقصدنه في النهار نسوة الحي، وفي المساء يدلفنه الموسخون من حينا ومن الأحياء المجاورة..، نسوة يلجن ذات الحمام، متسربلات بين أوساخ دم الحيض، وأوساخ المطبخ و”التصبين”…، سامحوني أعزكم الله من هذا الكلام البذيء..!!!، لكن الكلام الذي يقال في الحمام صنو الأدران التي تذوب من فوق جلود النسوة السمان الغلاظ..، مع نسوة الحي وهن في الحمام، يبحثن على الدوام على “عبيبيسة”، لتدليك عضلاتهن، وهن مستلقيات منتشيات بارتخاء المفاصيل…،”عبيبيسة”تمارس التدليك مع “شيء” من الشعوذة، بين دلو يصب كالحميم على امرأة الوزير…، طبعا الوزير يعيش في الحي، نعم امرأته تذهب الى الحمام الشعبي…. من يقول بأن نساء الأسياد يذهبن صحبة الخدم والحشم الى أمريكا أو أوروبا للاستحمام..وقص، مع شيء من الدغدغة اللازمة، شعر العنا وما بين الإبطين..، فهو يفتري الكذب على الأحياء، دون حياء ياسادة الحي، صدقوا ما أقول ولا زيادة في هذا الكلام. بين دلو ساخن وآخر بارد، وبين هدر للمال العام، بدت “عبيبيسة” منهمكة على فك طلاسيم الأوساخ- المادية- المتراكمة ما بين الظهر وفخذ امرأة الوزير…وبين الأوساخ المعنوية… وقفت حائرة، وهي تتلو شيئا من تعاويذ أبي الطوخي الفلكي، عل الله يهدي زوجة الوزير ان يحن على “الرعايا”بقراراته الممتدة بين التقشف والتبذير…أجابت امرأة العزيز، وهي تستمرئ إحساسا لذيذا من تدليك ناعم من أيدي”عبيبيسة” اللطيفة: زوجي العزيز، أقسم…في حضرة الرؤساء والوزراء(“…أقسم بالله العلي العظيم ان أكون وفيا لملكي وان اخدم شعبي… قالها ثلاث مرات”)…، قبل ان يجف عرق القسم، كلف ابن عمه الأكبر بمهمة صعبة خارج الوطن، كما أسند لذات الشخص مهمة أصعب داخل الحدود، وأقسم بعد ان قسم كل الغنائم/المداخل/ الميزانيات..، أن لا يفرط لا في الخؤولة ولا في العمومة…، وما تبقى من الغنائم سيخضع لقسمة ضيزى تقسم من طرف الخدم على “كل الشعب”، كما يقسم “التبن، والفصة،…” على الأغنام..، وقت الجفاف…، صدقوني أيتها النسوة الأفاضل، أن زوجي هذا لا مثيل له في الإيثار…، آثر قطته “نونو” وتركها “على راحتها” بعدما استحمت، أن تنام، قريرة العين، حينما وجدها، ذات ليلة، وهي تشخر على سريرها العريض…، أقسم بالله أن يستبدل السرير بسرير من الحرير الناعم المستورد من تايوان أو إيران..، هذه هي سياسة التقشف ياأيتها الحسناوات…من منكن يشككن في هذا الأمر؟ والشك حرام وخاصة في هذا المقام والمكان الساخن.. شغل ابن عمه الأصغر في وكالات شتى عبر أرجاء المملكة…، أسنده مهمة في الخارج، كلفه بمسؤولية في الداخل…، بين الداخل والخارج عاش ابن عمه ردحا من الزمن فوق رؤوس الموظفين الأشباح…، كما عاشت الميزانية بين أضراس الأخوال وأنياب الأعمام…، وعموم الشعب، بقواطعه، يقطع/يقضم ما تبقى من عتمات الظلم… شبح الحمام يراود “عبيبيسة” وهي تقول محاولة بصعوبة ان تطرد على محياها علامات الغضب والاشمئزاز: إن كان ما تقولين حقا، وأنا أدلك عظامك وأتلو على جنابكم دعاء الفرج، أن تنقلي الى جناب زوجكم ان يؤثر علينا ولو عشر ما آثر بها “نونو” المدللة….وتنقلين له سلامي، وتقولين له بعدما تفضين إليه ويفضي إليك، وأنت ممددة على السرير متشابكان بالأفخاذ كالعروسة- أصبحت- متزينة تنث منك شذى العطر والمسك…بينما الشعب يعيش مغبة التهميش والإقصاء وتضوع منه رائحة الاحتقان…. رسالتي واضحة يانساء الوزير…”).
قلت لجدي والله ما فهمت شيئا من كلامك الطويل، قال وهو يتنهد:
– “عبيبيسة” ياولدي هي الشعب، أجهش جدي بالبكاء وهو يغني: “أنا الشعب”، “أنا الشعب”، “أنا الشعب”، أنا الشعب”… من شدة البكاء نسي صاحبة الأغنية…
قلت بشيء من الفضول الزائد، وما ذا تعني بالوزير؟
– قال: الوزير هو الوزير….
– أردف قائلا وهو يمشي في البهو العريض: موعدك لقريب ….والشعب لك رقيب عتيد..