ضحايا الزمن الردئ

 الغديوي جابر يوبا

ميمون صبي في عمر الزهور فقد اهتمام الأب وحنان الأم منذ سنوات، يتجرع آلام الدنيا و هو في مقتبل العمر نتيجة إهمال الدولة وتجاهل المجتمع يعيش وحيدا متنقلا بين شوارع الناضور باحثا له عن ابتسامة مفقودة وحنان أم تنسيه مرارة الأيام ووحدة العيشة في واقعه المأساوي. يسرع فيتباطاء تائها في قسوة المدينة البائسة مدينة المخبرين و الجلادين والروائح الكريهة مدينة القمل والبول في الشوارع العمومية المزدحمة بالناس وحركة السير، في مدينة يسكنها كل شيء ما عاد الضمير الإنساني. في بعض الأحيان يمتزج وجهه خجلا و حياء و هو يمد يده إلى المارة طالبا منهم منحه بعض الدريهمات التي بفضلها سيشتري رغيف خبز يملأ به بطنه الصغير كلما قهره الجوع.
تحركاته وتنقلاته تستدعي منه مجهود جبار، بسبب شلل شبه كامل أصاب رجليه. ومع ذلك يصارع الحياة متحديا مرضه العضال الذي أصابه في المهد، أمتار قليلة من المشي تتطلب منه وقت كبير ? ومع ذلك يمشي يتنقل من رصيف إلى أخر? إنها مسألة حياة ? انه القدر? بهذه العبارات يشفي غليله? أما أنا فلي رأي أخر انه الإهمال واللامبالاة من الجهات المسوؤلة.
نظرة واحدة إلى وجهه تكشف لك سره العميق ، عيناه التي استوطنها الحزن واحتلها بالمؤبد حيث لا أمل ليتحرر من قيده المحتوم. كل شيء في ملامح وجهه دلالة على عمق جراحه، تكفي ابتسامته وبراءة وجهه يخال إليك أن ملاك هو جليسك , لكن السؤال الذي نزل علي كالصاعقة ما لهذه الشريحة من يحميها ويعيد الدفء إلى حياتها أين جمعيات رعاية الطفولة أين حقوق الإنسان وجمعياتها
ثم سألته : هل  تأكل يوميا ؟
يجيبني نادرا
هل  تستحم ؟
يجيبني  مرة في الأسبوع  على الأكثر
لماذا ؟
اخشي  البرودة
أليس لديكم الماء الساخن؟؟
بالطبع لا، فالماء الساخن موجود فقط في جهة المسؤولين على الخيرية
وبعض المرات يسمح للفتيات للاستحمام بالماء الساخن هذا ميز واضح، هل الفتيات أفضل منا ؟هكذا عبر غاضب
الجروح ظاهرة فوق رأسه، مع بقع من الأوساخ في عنقه، وأظافر طويلة وأسنانه لم يسبق أن نظفها انه الإهمال الفظيع والضياع التام في هذا الزمن الرديء
لقائي الأول بهذا الكائن البريء جاء صدفة، وسيبقى تاريخ لقائي به موشوما في ذاكرتي ما دمت حيا، لسببين اثنين هما : أن قصة هذا المظلوم بصمت في عقلي الباطن وتركت أثرا لا يستطيع حتى الدهر مهما طال إخراجه منه والسبب الثاني : أن لقائي بهذا اليتيم جاء مباشرة بعد القمع الذي تعرضت له جمعية المعطلين حيث خلف هذا الهجوم الوحشي إصابات في صفوفهم ولم يستثني هذا الإرهاب لا الصغير ولا الكبير وحتى المتضامنين والمتعاطفين والمارة وحتى كاتب هذه السطور الذي بدوره أصيب إصابة متوسطة حيث بقي أثار الضرب بادي على جسمي لمدة ليست بالقصيرة ? لكن المسكين أنساني همجية القمع ? وحزنه تغلب على حزني والضربات التي يتلقاها من الزمن والدولة على حد سواء جعلتني أشعر أني لم أتعرض للضرب قط .
لكن ما يندى له الجبين تلك الشعارات البراقة التي يزفها المخزن وتطبل لها بيادقه الرسمية و الغير الرسمية من قبيل : ? رعاية الأيتام , الحق والقانون ,حقوق الإنسان?? وتلك الأموال الطائلة التي يصرفها المخزن  لهذا الغرض , و الغريب في الأمر أنها  أموالنا وعائدات جاليتنا، بها نقتل يوميا زد على ذلك الدعاية عبر الإعلام المخزني و الغرض منها كسب استعطاف أوربا وجلب المزيد من الأموال على حساب شعب منهك و إظهار مدى اهتمام المخزن بهذه الفئة المعوزة المغلوبة على أمرها من الشعب?لكن الواقع يفند كل ادعاءاتهم ويضع الدولة وكل بيادقها في سلة واحدة في قفص الاتهام ,حيث أن نسبة الأيتام والمخلى عنهم في ارتفاع مقلق وعدد الفقراء والفقر يزداد يوما بعد أخر
.
لا الدولة ولا شعاراتها الفارغة التي تبقى مجرد جمل للتسويق قادرة على فك مثل هذه المعضلات لغياب إرادة حقيقية كل هذا جعل من وطننا متذيل الترتيب الأممي في شتى المجالات ?فقط تحقق التقدم في المراكز الأولى عندما يتعلق الأمر بالرشوة و الزبونية والانخراط في الجماعات الإرهابية العالمية حيث أن كل عملية إرهابية إلا وذكر فيها المغربي
وفي الأخير أتسال كما يتساءل معي أولي الألباب، إلى متى سيستمر الوضع في ما هو عليه؟.

‫7 تعليقات

  1. اخي جابر لا تكن متشائما فتموت متحسرا , فالتشاؤم والنظر الى الحياة باشمئزاز يفقدك الطاقة والتركيز على هذا الواقع المر. بل تفاءل فالدنيا تتغير والعالم في تغير ونحن نعيش هذا التغيير . كتابتك ادبية جيدة قد تذهب بعيدا اذا اخترت نموذجا من القصة وتلتزم به …حاول ان تقرا ما كتبه ابناء الريف امثال الدكتور عبد الكريم برشيد الذي عانى من الاهمال كما عانى ميمون
    مع احتراماتي وتقديراتي لك

  2. تصويرك لا يسعني الا ان اقول عليه تصويرا جميلا، فهو واقع لا يستطيع المرء ان يفش غله في سطور قليلة ويعبر عنه ويعطي لوحة حقيقية له ترسم جميع معاناته لانه فعلا واقع علقمي والمداخلة الاولى التي وصفتك بالتشاؤم فاقول انه حتى وان كان الانسان في قمة تفاؤله فلا يسعه عندما ينظر الى هذه الفظاعة التي يعيشها ميمون و”الميمونات كثيرة” الا ان ياخذ برميل غاز ويحرق الشعارات الزائفة التي تهتف باسم الطفولة وحقوق الانسان. فلا الطفولة تعيش برائتها ولا حقوق الانسان وجد مخبأ لا تطاله الايادي الخشنة الصلبة.بالتوفيق اخي يوبا والله يلطف بحال الميمونات…….

  3. مقاربة فنية و اجتماعية تقف على أحد المسؤولين عن معاناة المجتمع المغربيي.لكن و مما هو مؤكد أن المسؤولية يتحملها الجميع…مقالة رائعة أخي جابر.حفظك الله

  4. أطفال ضحايا هذا الزمن
    ضحايا اناس ضحايا ظروف
    ضحايا هذه الحياة

    ايوووز يوبا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *