مغربُ الألفية الثالثة، الغاسُول، الهْنديّة والحمير

لو بذلنا قصارى جهدنا وكتبنا عن المغرب خمسين سنة أخرى، تماما كنظيرتها التي مرّت عن تسليمه وثيقة استقلاله، لما تغيّر شيء أيضا في هذا البلد الذي يبدو أن لا شيء فيه تغيّر، سوى خطابات الشفوي التي تلوكها ألسنة أشباه المحللين السياسييّن لاسيما الجُدد ومنهم الذين يطلعون علينا بين الفينة والأخرى بوجوه أقلّ ما يقال عنها أنها عديمة الحياء كوجوه أوقح المومسات، بفارق بسيط يكمُن في أن الأخيرة تلوك في فيهها العلكة باستمرار، بينما الآخرون يلوكون الخطابات بشكل ببغائي، لإقناعنا بما ليس هُم أنفسهم مقتنعين به.
لقد أرهقت المغاربة السياسة وخطاباتها ذات البوّار، حتى دفعتهم قناتينا التلفزية إلى تنفيذ هجرة شبه جماعية نحو فضائيات أخرى لعلها تمّد في أعمارهم ولا تُعجل بالمقابل موتهم غمّا وكمدا، لأنهم أصبحوا يتبّرمون من مشاهدة ثغور أتلف حمرة شفاهها السيجار الكوبي الفاخر والمشروبات الروحية التي تصل كلفة أرخص واحدة منها راتب موظفي السلالم الدنيا، يضجون آذاننا بصداعهم وينفخوا لنا رؤوسنا أكثر ممّا يحشونها بجرعات من التفاؤل أملا بغد أفضل ومشرق مثلما يتشدقون دوما، كما لو أن رؤوسنا غدت بالنسبة إليهم جرّات فخارية مكدّسة بالخليع والسمن البلدي، هكذا ربما يعتقدون.
يا سادة، إن بلدا تتملكه الرغبة الجادة في حزم حقائبه، تنفيذا لقراره الأخير في ركوب قطار التغيير للسفر بعيدا نحو آفاق أوسع وأرحب، بحثا عن حياة لائقة للإنسان، حيث يُلمس المعنى الحقيقي للديمقراطية الحقة والعدالة الاجتماعية والقسطاس في توزيع الثروات وحقوق الإنسان والقانون والمؤسسات، يعمل أولا وقبل كلّ شيء على إزالة ما عُلق بسجلّه العدلي من سوابق و “أوساخ” لا أن يتنكر لماضيه، حتى يتمكّن من استصدار ” حسن سيرة ” جديدة، مصادق عليها من طرف الجميع، لكي تسري الثقة بين الجميع، لأن الثقة هذه من شأنها ألا تجعل أحدا يتخلف عن الموعد.
وهذا بالضبط ما كان المغرب قد شرع في تنفيذه إبان وقت سابق حين عقد العزم من خلال ما سُميّ بالإنصاف والمصالحة على وضع قدميه على السكة الصحيحة للخطو أولى خطواته الصائبة نحو التغيير الشامل الذي يتأتى طبعا بالتدّرج، قبل أن ينبري المتخلفون عن موعد إقلاع القطار، ذوو الرغبة في شدّ البلد إلى الوراء وإبقائه على حاله، غارقا في أوحاله حتى الذقن، مخافة على مصالحهم وأرصدتهم البنكية التي تسمن بعلف “الريع” في ظل واقع فاسد تتزايد هزائمه أكثر فأكثر، ويفلحون في وضع العصي وسط العجلة لكي لا تتحرك البلاد قيد أنملة إلى الأمام. لذلك فوّت المغرب فرصة تاريخية في غاية الأهمية حين توافرت له بالتوازي مع الشروط التاريخية التي كانت متاحة أمامه، تمهيدا لميلاد مشروع انتقال ديمقراطي حقيقي يكرس ثقافة دولة الحق والقانون والمؤسسات، ولم يستغلها أيما استغلال.
وقد يمتد بنا الحديث في هذا الصدد إلى طرح تساؤل ما الذي تغيّر فعلا بالمغرب ان على المستوى السياسي، وهل الحصيلة المصطلح عليها بالمكتسبات، على قلتها، تحققت بفضل الممارسة السياسية رغما عن ديمومة تأرجحها بين الضحالة وسوء التدبير وموتها السريري أحيانا ممّا يستلزم إنعاشها عبر ضخّ دماء جديدة في شرايينها مرّات عديدة، وبعبارة أخرى لعلها أكثر سدادا هل المكتسبات صنيعة التدبير السياسي عندنا أم إنها في العمق ضرورات حتمية تبلورت وفقا لصيرورة تاريخية تمخضت عنها عوامل وظروف سنحت بصياغة واقع مغربي لا دخل للطبقة السياسية فيه لا تأثيرا ولا إسهاما الا بما واكبت به سياسيا من قراءات تشريحية تمّ تحويرها وتحريفها عمدا عن مسار “شرح” حقيقة المكتسبات، هذا إذا سلمنا جدلا باعتبارها معيارا لقياس حجم التغيير ولم نتخذها هزءا.
يذكرني هذا الطرح بالقول الذي يفيد بأن المغرب بلدا مصدرا بامتياز لا مستوردا فحسب، وأن بعض منتجاته التي يعمل على تصديرها إلى الخارج يعّد في قائمتها الأول والرائد عالميا، بينما حين يتلون على مسامعك الجملة كاملة دونما وقوف عند عبارة “ويل للمصلين”، تكتشف بالكاد أن هذه المنتوجات هي في الأصل مواد طبيعية حَبَا بها الله أرض المغاربة كالفوسفاط والصبّار والغاسول وزيت أركان وما إلى ذلك من مواد أخرى على غرارها، تجود بها التربة المغربية ولا دخل لبشر في صنعها، ومع ذلك تجد بعض مسؤولينا يتحدثون مزهوين عن كون المغرب يحتل المركز الأول عالميا في تصدير الهندي والحمير وغيرهما بلا حياء ولا حشمة.
حاصل القول، والحاصول بالعربية تاعرابت، ألم يحن الوقت بعد على أولئك الذين كتبوا عن المغرب وأرّخوا لمنجزاته منذ انسحاب آخر فيلق اسباني في هدوء من تخوم الصحراء، حيث آخر قلاع المستعمر الاسباني بالمغرب، محللون وكتاب وساسة وصحفيون وخبراء ممّن أكلوا الغلّة وسبّوا الملّة، أن يعوا جيدا أنهم لم يخدموا بلدهم على الإطلاق كمواطنين نوعيين، حين اشتغلوا على تجميل وجه المغرب وإخفاء بثوره بأجود المساحيق، بدل جعل كتاباتهم بمثابة مرايا عاكسة للرائي من كل جانب حتى إذا التفت مغرب نصف القرن الماضي بكل مكوّناته، عن يمينه وشماله، حاصرته الحقيقة من كل زاوية وركن، كأمر واقع يلزمه بتغيير إستراتيجيته في تعامل آخر سمته الأساسية الجدّ ولا شيء سوى الجدّ. لذا لا غرو في القول ان هؤلاء الساسة القدامى ومن سرى في فلكهم من نظرائهم الجدد الذين اتخذوا مسلك الأولين نهجا إسوة بهم، يتحملون قسطا وافرا من المسؤولية التاريخية إزاء استمرار ذات المشاكل والتحديات بالنسبة لراهن مغرب الألفية الثالثة.
