ملف مليلية، أي تدبير لأي مصير 3

ملف سبتة ومليلية ، أي تدبير لأي مصير ؟

ذ. عبد الخالق برزيزوي
abarzizoui@gmail.com

الحلقة الثالثة
2 ? هل سيتجدد موعد المغرب مع الجنوب ؟
معلوم في تاريخ المغرب أن أقوى الدول التي تعاقبت على حكمه كان منشأها وانطلاق دعوتها من جنوب البلاد.وهي ذات الدعوات والدول التي استطاعت أن توحد المغرب من جنوبه إلى شماله ،  وصل نفوذها إلى طرابلس شرقا و إلى ما وراء جبل طارق شمالا . كانت بربرية في البدء، ممثلة في دعوة المرابطين والموحدين. ثم تتابع قيام الدول انطلاقا من الجنوب دائما . لكنها كانت هذه المرة ذات نواة عربية اتخذت من النسب الشريف غطاء وراية لدعوتها. فتأسست دولة الشرفاء السعديين انطلاق من درعة وزحفت نحو الشمال لتوحيد البلاد وتخليصها من الاحتلال  الأجنبي لأهم ثغوره البحرية على الواجهتين المتوسطية والأطلسية . ثم خلفتها  الدولة العلوية.
التغيير في المغرب، وتوحيد الكلمة والجهد، وإخلاص النية لله وطلب العزة للإسلام والمسلمين.. غالبا ما كان يأتي من الجنوب. وهذا الفضل الذي حظي به أهل هذا الجزء العزيز من الغرب الإسلامي ، لم يأتي من فراغ ، بل تجذرت معانيه في تلك الرباطات التي كانت تضم شباب وشيوخ تلك القبائل ، يؤمها علماء ورجال مصلحون أحزنهم ما صار عليه حال بلدهم ، وما آل إليه أمر حكامهم من تشتت ونزاع على السلطة ، ضاعت بسبب ذلك وحدة الدولة وأصبحت محط أنظار الطامعين المتربصين بها ،وهو ما وقع خاصة في العهد المريني و الوطاسي ، وعمت الفوضى وأكل القوي الضعيف وانتشر الظلم والفساد ..إلى غير ذلك من مظاهر انحلال الدولة وضعف  الحكم .
فكان الجنوب في كل مرة بمثابة ذلك الخزان الاحتياطي من الرجال الأوفياء الصادقين والطالبين لوجه الله وللمصلحة العامة، يدفع بأبنائه نحو تجديد العهد وصلة حاضرهم بماض ساده العدل وتوجته العزة.
فهل سيرجع بنا ملف الصحراء إلى ذلك الزمن ويرتهن حاضرنا بما قد يأتي من ذلك الجنوب كما حصل في الماضي ؟
هل سيكون مقترح  ” الحكم الذاتي للأقاليم الصحراوية ” الذي قدمه المغرب بمثابة  تلك البوابة التي ستَعبُرها ألوية التغيير قادمة من الجنوب ، من حيث ألف أجدادنا ،  لترفرف على البلاد كله ؟
أسئلة تلح في طرح نفسها. لكن سرعان ما تصطدم بذلك الحاجز النفسي المتمثل في انعدام الثقة ، والذي  ينتصب كالطود بين المواطن وبين أية مبادرة تصدر عن الحكام .
بل إن هذا المبادرة قد لا تجد كثير صدى لدى المجموعة الدولية بالنظر إلى الثغرات التي تكتنفها. لعل أهمها تضارب ما هو مسطر فيها مع ما يستعر به الواقع بالمغرب في شماله وجنوبه مما يتنافى مع ضرورات الديمقراطية والحكامة في تدبير الشأن العام ، و تمتيع المواطنين بكل حقوقهم في التعبير والتنظيم والانتماء والى ما هنالك من الحقوق والحريات الفردية والجماعية ، المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.. والتي لطالما أشارت المنظمات والجمعيات الحقوقية الوطنية والدولية إل تراجعها .
وفي هذا الصدد  أشار الأستاذ حكيم التوزاني (1) إلى الإشكالات الذاتية التي تعتور المبادرة المغربية للحكم الذاتي ولفت  في هذا الإطار إلى   ” التحديات التي ترتبط بالاكراهات الذاتية للنظام المغربي ” ليتساءل عن مدى صدق النظام في تمتيع الأقاليم الصحراوية بحكم ذاتي موسع تقوم  فيه مؤسسات دستورية مستقلة ولها صلاحيات واسعة في التدبير تشريعا وتنفيذا وقضاء ، في ظل غياب مثل تلك الاستقلالية عن واقع مؤسساتنا القائمة في المملكة.
وهو لعمري تساؤل مشروع  . لأن واقعنا السياسي بعيد عن إمكانية إضفاء أية مصداقية على مبادرة الحكم الذاتي بالأقاليم الصحراوية . وهو تساؤل يستحضر بقوة الحديث عن أهمية وضرورة التغيير السياسي والتحول الديمقراطي كأساس لبناء مغرب قوي وجدير بموقع المفاوض المقنع في كل مطالباته الترابية.
ونفس المعنى أشار إليه الأستاذ أحمد الحارثي (2) حينما تحدث عن غياب البعد الديمقراطي في ”  وثيقة الاستقلال ”  التي وقع عليها الوطنيون منتصف الأربعينات . وانحراف الحراك السياسي والاجتماعي والثقافي عن مسلكه الحقيقي لينصهر في إعادة إنتاج وترسيخ نمط الحكم التقليدي المغرق في الاستبداد والتفرد بالسلطة. لينتهي الأستاذ إلى تعليق آمال عريضة على مقترح الحكم الذاتي بالصحراء كورش يتم من خلاله تعميم شروط التحول الديمقراطي بالمغرب كله.
فهل ستجسد هذه الآمال السابحة  انفرادا وتفردا في علم السياسة وتحول المجتمعات في الحقبة الحديثة والمعاصرة ،  لنشهد ولأول مرة تحقق ذلك الرجاء وهبوب رياح الديمقراطية والتغيير من جنوب دول الجنوب ، وليس حتى من شمالها؟
قد يبدو إحداث  القصر ” للمجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية ” مارس 2006 توجها ربما كان يؤسس لطرح مبادرة ” الحكم الذاتي للأقاليم الصحراوية ” من خلال  إشراك أهل الجنوب في تدبير هذا الملف ،  فضلا عن الإشراك المحتشم للحكومة  ممثلة في الوزير الأول ووزير الخارجية  وبعض الوجوه الحزبية من خلال اللجنة البرلمانية المكلفة بالشؤون الخارجية  والدفاع الوطني.
لكن في غياب تخويل هذه الأطراف لآليات حقيقية تستند إلى تشريعات قانونية. وفي غياب توسيع دائرة هذا الإشراك لتضم مختلف الهيئات والفعاليات من خارج الحقل السياسي المشارك في اللعبة السياسية، وفي كلمة واحدة.. في غياب إرادة حقيقة لإصلاح سياسي حقيقي، يظل توجه القصر غير جاد في اقتسام عناوين الاشتغال بملف الصحراء واستكمال الوحدة الترابية عموما.

هوامش:

( 1) حكيم التوزاني ، المجلة العربية للعلوم السياسية ، العدد 27 ، صيف 2010 ، 40 .
( 2) أحمد الحارثي ،  مجلة نوافذ ، العدد 43 ? 44 ، فبراير 2010 ، ص ، 7 .

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *