منبر الرأي ..عزالدين شملال يكتب “مآسي الريف”

أريفينو عزالدين شملال
اهتزت ساكنة الريف من جديد ولَبِست ثوب الحِدَادِ، طَالِقةً العنانَ لدُمُوعِها، تبكي أحد أبنائها الذي ” طَحَنَتْهُ ” شاحنةُ الأزبال يوم الجمعة 28 أكتوبر2016، إنه الشهيد محسن فكري رجلٌ في مقتبل العمر مات وهو يحاول إنقاذ شُحْنَةٍ من أسماكه أَمَرَ مسْؤولوا مدينة الحسيمة إتْلافَها بعَصْرِهَا داخل شاحنةٍ مُعَدَّةٍ لجمع نفاياتِ المدينة .
مأساة أخرى تنْضَافُ إلى مآسي هذه المنطقة المَكْلُومَة، وغضبٌ عارمٌ وسط حشودٍ كبيرةٍ من الشباب الذين خرجوا في مجموعة من المدن مُنَدِّدِينَ ومُسْتَنْكِرينَ ورَافِضِينَ لهذا الأسلوب الذي تُمَارِسُهُ الدولة في حق شعب يعاني من الظُّلْمِ الاجْتِمَاعِي والعَوَزِ الاقْتِصَادي، فبدل أن تبحث هذه الدولة عن الحلول لمجموعة من الشباب الذين وجدوا أنفسهم بدون أُفُقٍ ولا مُسْتقْبَلٍ بعد انسداد جميع فرص العمل في وجوههم واحتكارها من طرف أفرادٍ قيل عنهم أبناء خُدَّامِ الدولة وأبناء المحظوظين الذين ضمن لهم آباءهم وعائلاتهم دراساتٍ خاصّةٍ خارج المغرب في فرنسا وكندا والولايات المتحدة الأمريكية، نجدها ـ الدولة طبعا ـ تنزل بِهَراواتِها على المحْتَجِّينَ المُتَخَرِّجِينَ من الجامعات والكليات والمعاهد المغربية وتدفعهم بذلك إلى الضياع والانحراف، بل وأصبحت تقمع كل حركة احتجاجية بشكل أسَالَ الكثير من المداد من طرف أقلام الجمعيات الدولية لحقوق الإنسان التي أكدت أغلبُ تقاريرِها الدورية أن المغرب يعرف انْتِكَاسَةً خطيرةً في مجال حقوق الإنسان، وأن حجم الفساد المُسْتَشْرِي في القطاعات الوزارية والإدارات الرسمية والحياة العامة أصبح عائقا مُثَبِّطاً لِكُلِّ انتقالٍ ديمقراطيٍّ ويستحيل معه تحقيق العدل والمساواة اللَّذَيْنِ أصبحا المَطْلَبَانِ الأساسيان لكل المغاربة .
فغياب العدل في المجال الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والمِهْنِي وغيرِها من المجالات أَزَّمَ المغاربة إلى حد جعلهم يفقدون الأمل في كل شيء وأصبح شغلهم الشاغل ـ الوحيد والأوحد ـ هو لُقْمَةُ العيش لهم ولعائلاتهم، يبذلون قُصَارَى جُهْدِهم ليقتلعوها من وسط الحرمان والقهر والظلم والتعنيف والحرق والطحن، وعند كلِّ غروبِ شَمْسٍ يأوون إلى أكواخهم يبكون فَلَذَاتِ أكبادهم الذين آثروا ركوب قوارب الموت في اتجاه أوروبا بحثا عن بريقِ أملٍ يُحِسُّونَ معه بآدميتهم التي افتقدوها في وطنهم الأم .
لقد أبت أقدار الله عز وجل إلا أن تكون منطقة الريف في قلب الأحداث التي مر منها المغرب، فبفضل رجالها دخل المغرب الحديث التاريخ من أوسع أبوابه، وأصبحت معركة أنوال المجيدة بقيادة عبد الكريم الخطابي عنوان الحُرِيَّة والإِبَاءِ والشُّمُوخِ والتَّضْحِية، حتى أضْحَتْ تُذْكَرُ كلما ذُكِرَتْ المُقَاومَة والحُرِيّة والإنْعِتَاق .
ثم بعد الاستقلال عرفت المنطقة أحداث 1958 المشؤومة التي راح ضحيتها مجموعة من أبنائها دون وجه حق، لِتُهَمَّشَ بعد ذلك تماما وتُشَكِّلَ أقاليمُها معالمَ المغرب الغير النافع .
لقد عانى شباب الريف الأَمَرَّيْنِ سنوات السبعينات والثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، وكان لهم نصيب الأسد من سنوات الجمر والرصاص، وآثر معظمهم الهجرة إلى أوروبا هربا من واقع غاب فيه العدل وانتشر فيه الظلم والقهر والتجبر .
إن ما وقع للمرحوم محسن فكري يُعْتَبَرُ انتكاسةً خطيرةً تُعيدُ إلى الأذهانِ الماضي الأسود الذي نَزْعُمُ أننا تخلصنا منه، فما زالت أرواحُ النَّاسِ رخِيصَةً إلى درجةٍ أنها تُزْهَقُ بِسَبَبِ تفاصيلَ تافهةٍ تُكَرِّسُ لمبدأ انعدام تَكَاُفئ الفُرَص وغياب المساواة بدعوى خرق القانون .
أَيُّ قانونٍ هذا الذي يعطي الحق لأفراد معدودين، بالتحكم في أرزاق الخلق، واحتكار رواج الأسواق، بواسطة نَسْجِ علاقاتٍ مشبوهةٍ واتصالاتٍ ” مدهونةٍ “، بينما السواد الأعظم من أبناء هذا الوطن تُصَدُّ في وُجُوهِهِم كلُّ الأبوابِ المشروعةِ للكسب الكريم، وتُطَبَّقُ عليهم كلُّ القوانينِ الضريبية بهدف إفقارهم وتَضْيِيق دائرةِ رِزْقِهم، حتى يُحْتَفَظَ بهم تقريبا في نفس المستوى المعيشي لِيَنْصَبَّ تفكيرُهُم واهتِمَامُهُم على كيفية الحصول على لقمة العيش لا غير .
أَيُّ عَدْلٍ هذا الذي يُعطي الحقَّ لأبناء الوزراء وأبناء الأعيان والنُّخَب ممن يدور في فَلَكِ خُدَّامِ الدولة وخُدَّامِ الأعتاب الشريفة بالاسْتِفَادة من كل الامتيازات والإعْفَاءات والمِنَح، فنراهم يَلِجُونَ لِوَحْدِهِم كليات الطب والصيدلة والمعاهد العليا للهندسة ومختلف التخصصات ـ داخل وخارج المغرب ـ التي تضمن لهم مناصب تَسْييرِية وتَدْبِيرِيّة في أَرْقَى الوزارات المغربية، بينما أبناء الشعب يَتَكَدَّسُون في جَامِعاتٍ تَنْتَفِي فيها كلُّ شروطِ البَحْثِ العلمي، والوُلُوجِ إلى مختبراتها التَّخَصُّصِيَّة سواء في الماستر أو في الدكتوراه يعتمد على معياري المحسوبية والزبونية ضدا على الدستور المغربي الذي يشترط مبدأ الكفاءة والأهلية للولوج إلى المباريات الدراسية والوظيفية .
هَذِهِ ليْسَت بَلْبَلَةً ولا إِيقَاظاً للفِتْنةِ النَّائِمَةِ ولا إذْكَاءً لنَعَرَاتٍ قَبَلِيَّةٍ، هذا واقِعٌ نحاول تعريته حتى يبدو واضحا لكل الناس، وحقائق ثابتة يعرفها القاصي والداني .
وَاقِعٌ يَحْتاجُ لتغييره هِمَمٌ عاليةٌ وإِراداتٌ صَادِقَةٌ ومَجْهوداتٌ مشتركة لكل الغيورين على هذا الوطن.
تَغْيِيرٌ يحتاج إلى أبناء المغرب الغيورين على بلدهم وعلى أهل بلدهم ..
