هل يغير ملف الصيد من لهجة الحزب الشعبي إزاء المغرب؟

بقلم: خالد بنحمان
وأخيرا وعلى عكس كل القراءات التي استبقت وصول ماريانو راخوي إلى قصر المونكلوا أكد الواقع السياسي المتغير في المحيط الإقليمي في ظل مؤشرات الاقتصاد الإسباني بمختلف إكراهاته المتراكمة أن شعارات الحملة الانتخابية لا يمكن لها أن تتحكم في مستقبل المنطقة. وأن موقع الممارسة السياسية من داخل المعارضة القائم على المناورة وتوجيه النقد وإبداء الملاحظات بغية استمالة عطف الناخبين يخضع لضوابط أخرى أقوى تفرض تغيير المنهجية عند الانتقال إلى سدة الحكم. الأكيد أن تدبير أمور الدولة قد فرض على راخوي وهو في أولى خطواته على درب الولاية الحكومية لليمين أن يستوعب جيدا ثقل المسؤولية الملقاة على عاتقه والتي وجدت أمامها ملفا معقدا ومتحكم في خيوطه من طرف المغرب الذي أبدى حزما كبيرا في تعامله مع قرار البرلمان الأوربي بخصوص اتفاقية الصيد، فالحزب الشعبي لم يكن ينتظر أن تعود عقارب الساعة بهذا الملف إلى دائرة النقاش التي لا تخدم أجندة حكومة راخوي في الفترة الراهنة هذا الأخير أبدى تعنتا وتشددا في ما يخص ملفات أخرى طرحها المغرب وألح على حلها من قبيل سبتة ومليلية لكن الجديد في الأمر أن راخوي سعى من خلال خرجاته الإعلامية الأخيرة إلى الحفاظ على حبل المودة والصداقة مع المغرب سعيا منه إلى انتزاع مكاسب وامتيازات تهم اتفاقية الصيد تحد من حجم الخسائر التي تكبدها الاقتصاد الإسباني جراء وقف الاتفاقية مع الاتحاد الأوربي ووسط ضغط مكثف للمهنيين الإسبان الذين انضافت مشاكلهم إلى خمسة ملايين عاطل تشكل عقبة رئيسية أمام حكومة مدريد التي سجل أداء اقتصادها تراجعا خطيرا تأثرت بفعله كل القطاعات بما فيها الخدمات الاجتماعية وسوق الشغل.
لقد حرص راخوي على طمأنة الإسبان والفاعلين الاقتصاديين في مجال الصيد وأعطى إشارات تحمل نوعا من الاستعطاف والمجاملة للمغرب واصفا اتفاق الصيد مع المغرب بالهام للغاية لكونه يحتل مرتبة متقدمة ضمن أولويات البرنامج الاقتصادي الذي تعترضه رهانات كثيرة دفعت راخوي إلى الإعلان عن تدابير تقشفية مع البحث عن كل متنفس يتيح فرص الخروج من الأزمة والركود ويعتبر المغرب نافذة لإسبانيا قادرة على لعب هذا الدور بعد أن ضاق بها الفضاء الأوربي الذي لم يعد يقدم بدائل الحلول الممكنة في ظل تخبط دول الاتحاد في مشاكل اقتصادية معقدة.
بدا راخوي منشغلا كثيرا بقرار البرلمان الأوربي وربما يتمنى في قرارة نفسه لو أن مقررات هذه المؤسسة الأوربية كانت ذي طبيعة استشارية لا تسري على حكومته حتى تسمح لبلاده بحق التصرف الفردي في ملف يشكل مجالا مدرا للدخل ومساهما في الإنتاج الداخلي الخام بإسبانيا التي أصبحت موانئها الجنوبية تعيش على إيقاع ركود وسكون غابت عنه حركة مراكب الصيد التي وضعت شباكها جانبا في عطلة إكراه تسبب فيها قرار للبرلمان الأوربي تعرض للكثير من الانتقادات وطرح تساؤلات عدة حول قدرة هذه المؤسسة في نهج سياسات تراعي مصالح الدول الأعضاء.
ملف الصيد يعد امتحانا لراخوي كي يستوعب درسا في غاية الأهمية تبقى أبرز عبره المستخلصة أن التوجه العدائي القائم على المناورة والاستفزاز واختلاق الأزمات لن يسدي إسبانيا نفعا في ظل تلاقي المصالح وهي فرصة للحكومة الجديدة في الجارة الشمالية لكي تعيد ترتيب أولوياتها بعيدا عن كل تذبذب في علاقتها بالمغرب لأن روابط الاقتصاد ومعادلات السوق والفضاء الأورومتوسطي وموقع البلدين أقوى من كل خضوع لنزوات ظرفية أو حسابات ضيقة تكاد تكون خسائرها أكثر مما هي عليه اليوم.