أمّهاتٌ مِن كوكَبٍ آخر

أمهات أيام زمان كنّ مربيّات ممتازات، بخلاف أمهات اليوم، بحيث أنجبن أجيالا رائعة من الرجال الأقحاح الذين ما توانوا ولا تقاعسوا للحظة عن محاربة المستعمر ودحره بصدور مفعمة بروح البسالة، حتى أجبروه على مغادرة قلاعه عائدا أدراجه منهزما، بعد حروب ضارية أشعلت في قلوب العدو الحرائق قبل أن تشبّ في ثيابهم نيران الغضب والبارود، ثمّ راحوا بعد ذلك ينخرطون في بناء مغرب ما بعد الاستقلال بسواعد مشمرة حتى إتضحت ملامح جنين اسمه الوطن. والغريب حقا هو كون هذه الأمهات والأخريات اللواتي لحقنهن من بعد الاستقلال والى حدود أواسط عقد الثمانينات، كن أميات وجاهلات والقليلات جداً منهن يعتبرن أنصاف متعلمات، ومع ذلك أجدن بفطرتهن تربية أبنائهن التربية الحسنة.
أما أمهات هذه الأيام المعاشة مع كامل تقديري واحترامي لهن طبعا، فمن طينة أخرى مغايرة تماما للصبغة الأولى التي كانت عليها السابقات. أمهات جيل التسعينيات مثلا أغلبهن متعلمات، خريجات الجامعات والمدارس والمعاهد، وأقلهن حظا تتوفر على مستوى دراسي لا بأس به، وبالرغم من ذلك “أفرخن” من أرحامهن التي لم تطلها يد القابلة قطّ بوصفها عمدة الطريقة البدائية لشتى أنواع الولادة حتى تلك التي يطلقون عليها القيصرية، مخلوقات يكاد الجميع يجزم أنها غريبة ومشوّهة أخلاقا وخلقا، وكأنها كائنات دخيلة على كوكبنا قادمة إليه من مجرة أخرى قد يكون انتماؤها فلكيا إلى مجموعة الدبانة أو الحلزونة أو شيئا آخر لا أدري لا أدري لا أدري..
إنها بالفعل مفارقة حقيقية وعجيبة في آن، تدعو السوسيولوجيين كافة إلى ضرورة تناولها ضمن انشغالاتهم البحثية حتى يقفوا على حلّ معادلة لم يعد يفقهها أحد، إذ كيف لك أن تفهم منطقيا حين تجد أمّا متخلفة فكريا وسلوكا وراء صياغة أبناء نموذجيين في المجتمع، بينما الأم المتعلمة والمثقفة التي تدرجت بشكل ما إبان مراحل دراستها بطبيعة الحال، على دراسة مناهج تربوية وتكوينية أكسبتها لا محالة طرق التعامل البيداغوجي بما يتماشى إيجابا مع سيكولوجية الطفل، اعتمادا على نظريات جان جاك روسو وغيره من المُبحرين في علوم التربية، تجدها شبيهة بمدير “مركز حماية الطفولة” تسهر مثله أيضا على إعادة توجيه المنحرفين من الأطفال ذوي الاستعداد لسلوك طريق الانحراف كمشاريع مجرمين واعدين، سوى أن الفرق بين الاثنين كامن في أن الأخير يباشر عمله في الإصلاحية، فيما أمّ من هذا النوع تواصل عملها مع أبنائها داخل اصلاحيتها الصغرى ألا وهي البيت، ليس إلا.
صحيح أن مسألة تربية وتكوين النشء لا تنحصر فلسفتها في دور توجيه الأمّ فحسب، بل تتعداه إلى أبعاد أخرى لتشمل ما هو سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي وما إلى ذلك، ولكن النواة الوثقى التي تدور جميع الأبعاد الأخرى في رُحاها تمثلها بالأساس الأمّ قبل أي اعتبار آخر، وأيّ مسمّى آخر خارج عن دائرة الإقرار بكون الأم هي الموّجه والمربي الأول والرئيس قبل كلّ شيء في عملية خلق وإنتاج ذرية صالحة وفاضلة فهو مسمّى يصدح في واد غير ذي واد، ولم أجد أفضل ممّن عبّر عن دور الأم العظيم مثل أمير الشعراء أحمد شوقي حين نظم ذات شعر ” الأم مدرسة إذا أعددتها.. أعددت شعبا طيب الأعراق “.
وقبل أن أضع نقطة الختم لمقالي دعوني أوجّه تحية من صميم القلب لكلّ أمّ في العالم، باصما فوق جبينها قبلة ابن بار، جبين يتفصّد عرقا لسنوات الدهر كله لأجل أن نكون نحن هُم نحن، ونحن كما نحن، فلا العمر والجنسية واختلاف الألسنة تفرق بين الأمهات في العالم مهما فرقت بينهن البحار والحدود والجغرافية، فوطن الابن قلب أمّه.. وإذا كان مسقط رأسي يقولون دائما موطني، فان مسقط القلب أقول أبدا أمي.

mawdo3 basiiiiiiiiiiiitttt la yastahiqqqo nachr
fakkir qabla an taktob