المغرب النافع والمغرب غير النافع

بقلم : ابراهيم البطيوي
admin@arrifinu.net
أتذكر حين اتصل بي بعض المسؤولين من المنطقة وأخبروني بردة فعل المسؤولين بالرباط حينما اطلعوا على مقالات أريفينو وما جاء في عدة مواضيع تحليلية للمشاريع الملكية بالناظور، وكيف أن مقال الرأي “استعمار لا كالاستعمارات… المطار ومرجان والبقية تأتي…” الذي حرره العبد الضعيف في الأسبوع الذي سبق اتصالهم لقي صدى طيبا لديهم. حيث تفهموا ما جاء في المقال وتحسروا حين علموا بالجرائم التي تحدث بالناظور. إذ بلغني أنهم قالوا بالحرف: “كنا نظن أننا نصلح الناظور، فاكتشفنا أننا نفسد أنظف مدينة بالمغرب”. والنظافة هنا لا علاقة لها لا بشركة النقاوة ولا بفيوليا، إنما بالفساد الأخلاقي.
لا زلت أتذكر ناظور الثمانينات وبداية التسعينات، حين كانت هذه المدينة الريفية الصغيرة تعرف هدوءا لم يسبقه مثيل، بعد أن سبقته العاصفة خلال أحداث 58 و 84 (ولو أن العكس هو المعروف عن الهدوء حيث يسبق العاصفة). هذه الأحداث التي ستبقى خالدة في ذاكرة أهل الريف ولو تم عقد آلاف المصالحات ومرت آلاف السنين. لا زلت أتذكر كيف أن عبارة جدوان “كون تشوف الريفيات في ديورهم محتجبات” كانت بالفعل ذات معنى. جاءت حينذاك سياستا “فرق تسد” و “المغرب النافع وغير النافع”، وإن كانت هذه الأخيرة أقدم بكثير وعادت في قالب جديد، لتقلبا الموازين وتحولا الناظور الذي كان بالأمس القريب رمزاً للعفاف إلى بؤرة للدعارة والفساد.
سيستاءل البعض ممن لم يعيشوا تلك السنوات (الجيل الجديد) أو ممن لم يعيشوها بمدينة الناظور وقدموا إلى هذه الأخيرة خلال الألفية الجديدة، كيف لهاتين السياستين أن حولتا الناظور إلى ما ذكرته؟
بعد أحداث 84 كان على الراحل الحسن الثاني أن يفكر في سياسة “فرق تسد” خصوصاً وأن في اتحاد الريفيين قوة كبرى، فكان له أن بدأ في ملء وظائف الريف بغير الريفيين لتختلط الدعوة وتلتقي الدماء الساخنة (الريفيين) بالدماء الباردة (غير الريفيين) فتبرد القضية الريفية. لهذا بدأت مدينة الناظور تمتلئ شيئا فشيئا بغير الريفيين. وكانت أسوء سياسة هي الطريق نحو تدمير التقاليد والعادات الريفية وذلك بإرسال جحافل العاهرات والمتسولات والمجانين والشماكرية في حافلات خاصة، مقابل تهريب المشاريع والأموال الناظورية إلى الداخل. حيث أتذكر حين كان المسؤولون يضعون العراقيل أمام كل ريفي يرغب في الاستثمار بمدينته، ويرفضون منح التراخيص للاستثمار بالريف، وكانوا يشجعون المستثمرين على الاستثمار في أي مدينة خارج منطقة الريف وسيحصلون على الترخيص في دقائق.
كنت قبل أيام في نقاش مع شاب من فاس حول سبب هجرة الريفيين ورغبة من لا يزالون بالمغرب منهم الملحة في الهجرة إلى الخارج في حين أن غير الريفيين يفضلون العيش بالمغرب، فأخبرته أن السبب هو قمع الريفيين وحرمانهم من حقهم في التشغيل على حساب غير الريفيين. وربما كانت الحقيقة التي يعرفها القاصي والداني جارحة بالنسبة له، فقال لي عبارة كانت هي الأخرى جارحة لي، لكن للأسف كان الوقت قد أوشك على فراقنا فلم يكن هناك مجال للرد عليه، حيث قال لي بالحرف “لاحظت أن الناظور عامر فساد”.
وإن لم يسعفني الوقت للرد عليه في حينه، خصوصاً وأن مقولته تستوجب سرداً تاريخيا لمعرفة من أين جاء الفساد وما هي الخلفيات التاريخية وراءه، وتحتاج وقتا طويلاً وهو ما لم يكن متوفراً آنذاك، فإن هذه المقالة المتواضعة تحمل بين أسطرها الأسباب والكرونولوجيا التاريخية لهذا الحدث. وهنا أذكر الجميع بأن سياسة “المغرب النافع والمغرب غير النافع” التي جاءت بعد أحداث 84 في صيغتها الجديدة كان لها الدور الكبير في هذا “الفساد” المتعمد. لأنه في تلك السنوات كانت الناظورية محترمة إلى درجة أنه كان عيبا أن تخرج من منزلها عارية الشعر، فما بالك عارية الفخذين والذراعين والسرة. لكن مع اختلاط “الدعوة” وكون خروج الفتاة بتنورة قصيرة تظهر الأفخاذ وقميص قصير يظهر الكتف والسرة عارية أمرا عاديا بفاس والبيضاء… فإنه كان عادة دخيلة على الناظور، وكان لزاما على تلك الفتاة الوافدة على المدينة بسبب تنقيل والديها أحدهما أو كليهما للعمل بالناظور أن تحترم عادات المدينة، لكن للأسف هذا ما لم يحدث. فصار التعري بـ “العلالي” وصار منظر العري بالمدينة أمراً عادياً يوماً بعد يوم. واليوم صرت أستغرب حين أمشي بالشارع ماراً من أمام المؤسسات التعليمية أنني لا أسمع من الفتيات إلا الدارجة، والله على ما أقول شهيد، كأني بك لست في مدينة ريفية.
يقال: “من عاشر قوماً أربعين ليلة صار منهم” لكن واقع الحال عكس ذلك تماماً، إذ أن تلك الدخيلات فرضن على الريفيات وضعاً جديداً، وخلقن أمامهن فرصة للتعري دون حسيب ولا رقيب، بدل أن يمتثلن لعادات المجتمع الغالب من حيث العدد ويستترن. كما أن تعريب الحياة العامة بالناظور هو الآخر لا يمتثل للمثل المذكور أعلاه.
وقد ساهم تعري العاهرات في الشوارع الناظورية بنسبة كبيرة إلى جانب تعري التلميذات، في خلق الصورة الجديدة، ولعل أكبر العارفين بهذا الأمر رجال الأمن، واسألوا أهل العلم إن كنتم لا تعلمون. وإن تحدثت عن رجال الأمن فإنني أخص بالذكر القدماء بمدينة الناظور، والذين عايشوا فترة الثمانينات بهذه المدينة المغتصبة. وبعد التعري كان لعلاقات الفتيات بالشبان، التي لم نكن نسمع بها خلال الثمانينات والتسعينات، دوراً رئيساً في التفسخ الأخلاقي بالمدينة… إلى أن وصل الأمر اليوم لدرجة أنني لم أعد أفرق بين الريفية والدخيلة.
العديد من غير الأمازيغ ينتفضون عند ذكر كلمة “أمازيغية” ويبدأون بالقول إنهم (هم العرب) جلبوا الإسلام ولولاهم لبقي الأمازيغ يعبدون الأوثان، لكنهم نسوا أن الأمازيغ هم المحافظون على هذا الإسلام، وأن كل الجرائم التي ينهى عنها الإسلام تحدث بمدن الداخل (العهر والفساد، قتل الوالدين، زنا المحارم، السرقة، اللواط، الخيانة الزوجية…) بينما لا نسمع بهذه الأمور بالريف على امتداده. وإن دافع أمازيغي عن انتمائه أو حقوقه اتهموه بالعنصرية، والمشكلة تكمن في أنهم جلبوا هذه العنصرية معهم ويحاولون جاهدين إلصاقها بالريفيين ليظهروا هم بمظهر المظلوم (والعكس هو الحاصل)، وإن لم تلتصق هذه العادة السيئة بالريفيين رغم عدة محاولات منهم (الوافدين)، حاولوا نهج سياسة أخرى وهي الاستيلاء على حقوق الريفيين، وكلما قام ريفي بالانتفاض قاموا بشد حبل العنصرية حول عنقه. وأيضا ما كنت أراه غريباً بالرباط والبيضاء من تدخين الفتيات، كنت لا أراه بالناظور إلا من العاهرات وفي المقاهي الخاصة بهن، وتغيرت الحقيقة اليوم فصرت أراه بالأماكن العمومية بالناظور لتخرج إلى الشارع بالعلالي ومن فتيات لا يظهر عليهن امتهان الدعارة.
اليوم، أرادت الدولة أن تعقد مصالحة مع الريف، فكانت أن بادرت ببناء مشاريع سياحية (لم نر شيئا لحد الساعة سوى البناء الذي لم يكتمل)، على امتداد عشر سنوات من المصالحة ومن العهد الجديد، وبالتالي لم يعد الريف، والناظور على وجه الخصوص، مغربا غير نافع، لأنه في القريب سيصبح منطقة سياحية تدر أرباح كبيرة على المغرب (بالإضافة إلى الأرباح الحالية)، وسيتحول الناظور من ثاني مدينة اقتصادية بالمغرب بعد البيضاء إلى الرتبة الأولى تاركا مسافة كبيرة بينه وبين البيضاء، وسينضم هو الآخر إلى المغرب النافع. وهذا أمر يستوجب التخلص من العاهرات والمتسولات والمجانين والشماكرية الذين يهددون السياحة أكثر مما يساهمون فيها، وصار لزاماً البحث عن مغرب غير نافع جديد في هذا العهد الجديد ليصدروا إليه حافلات تحملهم من ناظور المغرب النافع بعد أن جلبوا إلى ناظور المغرب غير النافع فيما مضى. فما سيكون مغرب العهد الجديد غير النافع يا ترى؟
أريد أن أختتم بفقرة للاعتراف، وهي أنني لا أتهم هنا كل الوافدات إلى الناظور، لأن منهن الشريفات بطبيعة الحال وأعرف منهن فتيات محتجبات ومتدينات أيما تدين (وإن قل عددهن)، لكن حال الناظور والفساد الذي فيه -للصراحة- جاء من غرب المغرب. وهنا وجبت الإشارة إلى أن سياسة فرق تسد دنست أنقى منطقة بالمغرب وحولتها إلى بؤرة للدعارة والفساد (وهو ما اعترف به مسؤولون بالرباط وما يعترف به رجال أمن الناظور)، لهذا وجب على من يتحدثون بالسوء عن الريف أن يعرفوا أنهم هم المدنسون ويدينون للريف والريفيين بالاعتذار لا الجحود والمزايدات. ووجب قبل الحديث عن المصالحة مع الريف وجبر الضرر الجماعي، أن نتحدث عن تنقية الناظور من الشرذمة التي دنسته والرجوع بهم من حيث أتوا على متن نفس الحافلات التي كانت تقلهم طوال سنوات الثمانينات والتسعينات إلى الناظور.
للأسف، تبقى هذه مجرد نافذة من النوافذ المطلة على واقعنا المر!!!

للتسجيل في قائمة متتبعي مقالات رأي ابراهيم البطيوي وقراءة المقالات السابقة واللاحقة يرجى الضغط على الزر J’aime التالي

‫10 تعليقات

  1. بإسمِ ألله ألرحمان
    الرحيم
    موضوع ممتاز اخي إبراهيم ساعود للموضوع لاحقا

  2. السلام عليكم

    نشكر الأخ ابراهيم على مقاله الأكثر من رائع … صراحة نفتقد لمثل هاته المقالات
    مقالك هذا أخي ابراهيم ذكرني بحديث دار بيني وبين صديق لي ينحدر من مدينة مكناس ويقطن حاليا بالناظور حيث قال لي يالحرف الواحد أنه في أحد الأيام وبينما كان يحضر لإمتحانات الدراسة وفي ساعة مبكرة مع مطلع الفجر شاهد بأم عينيه حافلة قادمة من احدى مدن الداخل مملوءة عن أخرها بمجموعة من المجانين والشماكرية وتم انزالهم بالشارع العام بمدينة الناظور …

    أخوكم من ولاية الناظور

  3. سيقول بعض القراء أنه هناك العديد من العاهرات ينحذرن من الريف …
    وهنا أود أن أشير أنه هناك العديد من العاهرات اللواتي ينحذرن من مدن الداخل أصبحن يتقن اللغة الريفية ولا تستطيع بالكاد أن تفرق بينها وبين الناظوريات …

    أخوكم من ولاية الناظور

  4. بالفعل أخي الكريم، وهو ما قصدته حين قلت بأنني صرت لا أفرق بين الريفية وغير الريفية

  5. salam o 3alikoum awallan 9abla koulli chay2 had l mawdou3 fih wa7ed nou3 dyal l3ounsourya omo7awalate ithbat ddat 3la 7issab l 2akhar akhoya lli kayhder 3la les annes 70 o 80 ana men sefrou o tkhla9it hna o min kan l9ertass f nador makanch kayferre9 mabin hada 3erbi o hadak amazighi o 7aja okhra ila ma kountich katchouf l fassad f nador hada ye3ni madkhoultich lmlilia min kounti sghir bach tchouf thi9ar3eyyin mani teksente founarath ghir kaydekhlou 3nd sbnyol kay7eydou les foulards ya akhi hada la ya3ni annahou makayninch bnat llah i3ammarha dar bnat moutadayyinate omotakhalli9ate o had l fadila dial l akhla9 kayna f ay madina men l moudoun dial lmeghrib bi doun istithna2 fimaghrib kamel aw bil a7ra fl 3alam kamel omma bach tgoul hadouk (slaguete o hna f nador nnas mkhel9in ) ana ghadi ngoullik rani 3ayech fnador okane3ref l khabaya dial bnat nador okhayrou dalil sir sawwal nass li kaymchiw la fac dial oujda rabat fes casa ach kaydirou temmak ( lli mamtkhel9atch ofin kayl9aw la liberte dialhoum okifach kaystaghellouha ) o7aja we7da okhra rah 7na kamlin mselmin
    sauf ila 7etta nta men hadouk li dayrin lyed m3a sahayina obaynoulhoum tri9 dial chrab olfassad dial bessa7 okaygoulou 7na amazigh 7acha wach ikounou amazigh
    amma bennesba nnass li kounti katgoul 3lihoum kan 3endhoum lflouss omakaykhlliwhoumch idirou machari3 fnador fi3lan makanouch kaykhelliwhoum idirou machari3 fnador walakin a ssi mohammed ma3reftich douk lflouss min kanou jayyin rah men l7chich a weld 3emmi machi 3er9ou 3lihoumnass li 3er9ou 3la leflouss bch ijem3ouhoum hna homa s7ab l7outt ol 9alliiiil menn nass dial lkhrije omannekrouch anna mo3dam nnass hna kan 3ajbhoum ikhalliw nador bla machari3 bach maybanouch s7ab lhchich omaybeynouch floushoum bach maywelliwch f min ayna laka hada
    omen hadchi koullou chkoun wakel che7t homa nnass li pauvres b7ali o b7alek
    o hadak l fassi min gallik nador fih lfassad makdebch 7it kaynin nass hna kaye3tiw lelbnate lflouss bezzaaaf olportablate bach ghir i boussha 7etta wellaina 7na li ma3endnach lflous man9eddouch nmchiw nkhetbou (netsa7bou)
    .amma lfassad l 2idari ana kane3ref nass bach yemchiw isawbou chahadate l izdyade kay3tiw lflouss bla maytelbou menhoum chi 7aja okay3tiwhoum 7etta 50dh 3la chahadat l izdyad ya akhi khellina men hadouk li kaytelbou ana li kanehder m3ak 3emri fhyati ma3tit l chi wahed chi ryal wahed nhar telbou mennid dert i3tissam temmak owellitefo9ach mma dkhoult kaysawbouli lewra9 dyali kandir ssef b7ali b7al 3ibadl llah machi b7al nnass li kay 2amnou blfikra dial dhen ssir i ssir…
    llah ikhellik hadak li gal lmaghrib nafi3 olmaghrib ghayr nafi3 rah maattt ochabe3 mout rebbi ikhallesss
    o ila kan chi taw3ya wa33i biha nass machi tmaress syassa dial DDAHIR L BARBARI otgoul rahoum kayt3eddaw 3lina fekker chwya mezian rah lbitala kaynaflmeghrib kamel
    onass dial 7amalate chawhid lmo3attalin li kaytalbou bl7e9 dialhoum flkhedma kanou fl gherb 9bel maykounou hna fnador kayemchiw yaklou le3ssa flberlaman machi kaygelssou fl 9ehwa dyal 3alouch o cha3bya odak ssef kamel oygoulou makaynch lkhedma

    o ta7ya nidalya 3aaalya l naas li matou f 84 olli seb9ouhoum 58 onas f sefrou li matou min zadou flkhoubz 2 franc ohadchi li kangoullik ghir f 2008 hadouk nnas kaydirou machi ghir kayhedrou okay7taflou b ddikra

  6. السلا م عليكم نشكر الاخ إبراهيم الذي يأتي دائمن بالجديد تأتي دائمآ بالمواضيع جد هامة التي تتعلق بالمدينة الريفية .أنت دائمآ غيور عن مدينتك نتمن لك التوفيق وشكرآ .

  7. ” إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” فالتغيير للأفضل لن يتحقق بدون اعتبار أن الاهتمام بالأمر العام للإسلام والمسلمين واجب ـ وليس فقط حق كما يتصور الكثير ـ وأن المدخل الوحيد لهذا الطريق هو الوعي بجوهر الإسلام ثم المطالبة المستمرة والمنظمة لشتى أنواع الحريات العامة المفتقدة في بلادنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *