دولة الحق والقانون تحارب الشموع

ذ. محمد الحسانيhasani

دولة الحق والقانون، لا تكاد تمر مناسبة من المناسبات إلا ونجد الدولة تعمل كل ما في وسعها لتؤكد للجميع أن هذا ليس مجرد شعار، بل هو واقع ملموس، براهينه كثيرة وشواهده أكثر، فالمتتبع للحال لا يمكنه إلا أن يبارك حرص الدولة وما تبذله من جهود لترسيخ شعار المرحلة، ويبدو أنه شعار كل المراحل، إذ أن دار لقمان- وما لقماننا بلقمان القرآن الكريم – ذاك عليه السلام أوتي الحكمة من لدن خالق الأنام، فداره ليست دارنا ونهجه ليس نهجَ دارنا – دار لقمان عندنا مصرة على ألا تغير نهجها، فنهجها نهج قويم وهو بلا شك على الصراط المستقيم.

فَلَوْكُ الشعاراتِ حِرْفةٌ يمتهنها الكثير في وقتنا، غايتهم مفهومة ووجهتهم معلومة: “كعكة الدولة” وما أقبحها من كعكة. إن “تسويق الوهم” شناعة وقباحة وفظاعة هي أقبح ما في دولة الحق والقانون، ساهم في ذلك من ساهم مع سبق إصرار، أو لأن مروجي السلعة باعة مهرة، أساتذة في فن التسويق.

دولة الحق والقانون شعار، يتماشى بشكل مطلق مع “المفهوم الجديد للسلطة”، فمن قبل كان الشعار الطنان “تقريب الإدارة من المواطنين” هو الوتر الذي تعزف عليه الدولة، فأصبحت “موضةُ تفريخ المقاطعات” هي العنوان الرئيسي والمغزى الحقيقي لمفهوم “تقريب الإدارة من المواطنين”، فكان الاختزال العجيب للإدارة، وقربها من المواطن هو “إحصاء الأنفاس”، بينما بقيت الإدارة ولا تزال بعيدة كل البعد عن المواطن، رحم الله المواطن وكان في عونه .

دولتنا دولة الحق والقانون، ومن قال غير ذلك فهو بالعَتَهِ موصوف، متنطع كل همه النقد ولا شيء غير النقد، نشاز خارج عن سرب جوقة التلميع والتطبيع والتضبيع والتركيع، فدولة الحق والقانون عندنا لا تسامح في الحق، تضع ترسانةً من القوانين منظومةً متكاملةً لتأخذ حقها من المواطن كاملا غير منقوص، لا تتهاون ولا تتلاعب، تضرب بيد من حديد، بينما الأصل عند الناس وفي منطق دولة الحق والقانون حقاً وصدقا أن تقوم الدولة بالواجب أولا قبل أن تحصن حقوقها، وواجبات دولة الحق والقانون حقاً كثيرة كثيرة.

أما القانون عندنا في دولة الحق والقانون؛ فهو تلك الآلة الموسيقية متعددة الأوتار، تعزف منه الدولة عندنا على ما يحلو لها من أوتار، حسب النغمة التي تريد أن تسمعها للمواطن، وأهم نغمة في دولة الحق والقانون عندنا، ولعل هذا وتر أضفناه في المنظومة القانونية الدولية، فكما أن زرياب أضاف إلى آلة العود أوتارا، فبراعة دولة الحق والقانون عندنا أضافت وترا أكاد أجزم أنه استثناء مغربي بكل امتياز، فدولتنا حريصة على هذا اللفظ بالضبط، وهذا المسمى تعمل على ترسيخه بشكل مريب، وَتَرُنَا الفريد واستثناؤنا المجيد في دولة الحق والقانون عندنا كلمة عجيبة غريبة تستحق أن تُدْرَس وتدرَّس، هذا الوتر السحري هو: “التعليمات”.

“التعليمات”: هذا الوتر، وهذا المفهوم الذي لا يمكن لك أن تجده إلا في دولة الحق والقانون عندنا، كلمة لو جئت بفقهاء القانون ليعطوك مفهوما محددا لهذا الغريب العجيب لما وجدوا له تعريفا، لأنه ليس نصا مكتوبا، لا أصل له لا في الدستور ولا في أي مادة من المواد التي يدرسها طلاب القانون، “التعليمات قانون فوق القانون”.

دولة الحق والقانون من تمام حرصها على تطبيق القانون، جمعت أمرها وجندت جندها وكشرت عن أنيابها وطبقا ووفقا لقانون القوانين: “التعليمات”، لقمع الشموع ومواكب الشموع، وقبل أن نسترسل لابد أن نوضح ما المقصود بمواكب الشموع لنرى الجور والظلم، إذ أقبح ما يمكن أن يبتلى الناس به في أوطانهم الاستعباد، وتكميم الأفواه.

ليس الاحتفال بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم بالأمر الجديد على المغاربة، إذ يكفي المغاربةَ شرفا أنهم أهل الاحتفاء بالبردة والهمزية والكثيرِ من صنوف الشعر في مدح خير الأنام صلى الله عليه وسلم، حب الحبيب صلى الله عليه وسلم كامن مغروس في قلوب المغاربة، وهذه نعمة ومنة من الكريم الوهاب، ولذلك فإن الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم كان ولازال وسيبقى بإذن الله تعالى قائما إلى ما شاء الله.

مواكب الشموع شكل من الأشكال التي بها يحتفل قطاع كبير من أهل هذا البلد يخرجون أطفالا وزهريات، شيبا وشبانا، نساء ورجالا، إذ المحتفى به هو الرحمة المهداة، هو السراج المنير، فإذا كان الاحتفال به هو أعظم احتفاء، فلا معنى للفرحة والسرور، يتلاشى هذا المعنى إلا إذا كان مبتدأه الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم، مواكب الشموع غايتها تجديد محبته في قلوب المسلمين ترسيخها، تأكيد للاقتداء به والسير على منهاجه ورفع لوائه في وقت كثرت فيه أصوات الخفافيش.

إذ هي واجهة دولة الحق والقانون، بها يُجَمِّلُ وجهَه، خاصة في المحافل الخارجية. قل لي بربك أيها القارئ الكريم أيهم يحتاج إلى حملات دعائية، أيهم يجمع عليه الشباب؛ حفلات موازين حيث لا ميزان ولا زَيْن، فالميزان مرجوح والزين قبح وقباحة وشين، أم الاحتفاء بسيد الكونين؟

مواكب الشموع مظهر احتفالي تشارك فيه جماعة العدل والإحسان لتعبر من خلالها عن فرحتها بسيد الناس أجمعين، مواكب الشموع فرح وسرور وابتهاج وحبور بميلاد نور النور، زغاريد ومديح وورد ورياحين، هكذا هي مواكب الشموع.

غير أن دولة الحق والقانون عندما يتعلق الأمر بجماعة العدل والإحسان، تستعمل وترا خاصا أصابه البلى وتقطع من كثرة الضرب عليه، لأنه وتر نشاز النشاز، إن كانت دولة الحق والقانون تمنع تَمَلُّكَ قَبْر، أقول “قبرا” أيها القارئ الكريم ، قد تقول محال هذا ومبالغ فيه، أقول أنا ألتمس لك ألف ألف عذر، فدهاة الدعاية مهرة مهرة، سحرة يجعلونك تنظر إلى فأر فتراه هرا: منعت دولة القانون السيدة العفيفة زوج الاستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى رحمة واسعة، تريد الزوجُ أن تُدْفَنَ بجوار زوجها رفيقِ العمر، لكن دولة الحق والقانون ترفض رفضا قاطعا مانعا، هل هناك بشاعة أفظع من هذه، أليس هذا هو الدليل الأكمل أننا نعيش دولة الحق والقانون؟ وكما منعت امتلاك قبر، نكلت بشباب كالزهر كانت غايتهم الاحتفاء برفيق الدرب في السنوات العجاف التي أصبحت الدهور العجاف، في ذكرى الشهيد عبد الوهاب زيدون، تجلت كفاءة دولة الحق والقانون، كفاءة يشهد عليها شارع البرلمان – حيث يُشَرَّعُ الحق والقانون -مرارا وتكرارا، ركلا ورفسا، ضربا بالأيدي وبأشكال وأنواع من العصي، أدوات لترسيخ الحق والقانون، وما أروعها من أدوات .

عذراً سيداتي سادتي ولكننا لم نخرج عن الموضوع، إذ أننا عن تجليات وفي فلك “دولة الخنق بالقانون” ندور، لمواكب الشموع وفي ذكرى سيد الكونين جاءت دولة الحق والقانون لتبرز عن بشاعتها وقبح وجهها، ما احترمت الذكرى ولا صاحبها، ترى ماذا لو أن هذه المواكب كانت تنظم في بلاد الغرب؟ ما الذي كانت ستفعله هذه الدول مع الجالية الإسلامية؟ الجواب نتركه لدولة الحق والقانون، تعرت دولة الحق والقانون وهي التي تظن أن أنواع الطلاءات التي تجمل بها وجهها ستفلح في إخفاء حقيقتها.

تخاف دولة الحق والقانون من الشموع، إذ الشموع أضواء تكشف وتزيل الظلام، تخاف دولة الحق والقانون من الشموع، إذ الشموع أمل وغد أفضل، لا يمكن أبدا أن تغطي الشمس بالغربال، من يمكن أن يقتلع حب المصطفى صلى الله عليه وسلم من القلوب؟ تتناقض دولة الحق والقانون مع نفسها وذاك ديدنها ودينها، تلعب على كل الحبال، تحتفل بالمولد النبوي وفي نفس الوقت تضرب بالعصا من يحتفل بالمولد النبوي، تناقضٌ مَعَهُ ألفُ سؤالٍ وسؤال، وفي ختام المقال نقول: كفاك فضائح “دولةَ الخَنْقِ بالقانون”، فشموع المصطفى رايات لا تُنَكَّس وأضواء لا تُطْمَس. ومن ظن غير ذلك فهو في غلس، وطريقه هوس، وعافانا الله من الفلس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *