عالم الاجتماع الناظوري د.قيس مرزوق الورياشي يكتب: عيد الأم، أو حلم الجندي المجهول

قيس مرزوق الورياشي

كثيرون وكثيرات هم الذين يتوجهون في اليوم الواحد والعشرين من شهر مارس أو فاتح مايو أو 29 مايو… إلى المحلات التجارية، أو إلى بائعي الورود، ليختاروا هدية رمزية يقدمونها إلى أغلى الكائنات لديهم: إلى تلك التي تربطنا بها أكثر من مجرد علاقة.لكن هم كثيرون أيضاً أولئك الذين لن يفعلوا شيئاً، لأن هذه التواريخ المتحركة ليست في نظرهم غير يوم كسائر الأيام، يمكن أن تغطيها الصحافة بزخم من الأحداث، ويمكن أن يكون وعاء لأشياء من قبيل العادة.هم أيضاً كثيرون أولئك الذين يتذكرون هذا اليوم، لكنهم يحاولون، عبثاً، فرض رقابة ذاتية عليه، لأنه لم يعد يذكرهم إلا بذكريات أليمة.اختلفت التواريخ واليوم واحد: إنه عيد الأم، عيد ليس كسائر الأعياد، يمر بصمت، يعاش بكثافة، يصعب التعبير عنه بمجرد فرحة، أو تذكره بمجرد دمعة. كأطفال صغار، ربما نكون من الذين يحتفلون بالأمومة يومياً، إذ نعيش طقوسها كل لحظة. بجوار الأم، الأطفال يعيشون لحظة السعادة الأبدية: تداعبهم الأم، تحكي لهم أروع الحكايات، تحفهم بعطفها الدافئ.ككبار، قد لا نشعر بنفس السعادة وقد لا تغمرنا نفس العواطف، لكن كم مرة نجد أنفسنا مضطرين إلى تقديم الولاء للأم إلى حد العبودية، أو إلى إحاطتها باحترام ليس له مثيل؟لماذا عيد الأم؟ أهو مجرد موضة تنتمي إلى موجة ثقافية عابرة، أو هو طقس كسائر الطقوس التي تختلف وتتنوع في الشكل، لكن جوهرها يبقى أبدياً؟أية علاقة تربطنا بهذا الكائن البيولوجي والثقافي والأسطوري؟ أهي مجرد علاقة دموية؟ أم أنها علاقة مشحونة بمضامين كثيفة لا يمكن اختزالها في مجرد احتفال ومجرد كتابة؟
كأطفال، نخاطبها كل لحظة، نناديها: ماما، ماما! وككبار، غالباً ما نتحاشى الدخول معها في حديث مباشر. نكتفي بتقبيلها من حين لآخر أو فقط ننحني بخشوع أمامها، لكن غالباً ما نذكرها في حياتنا الخاصة، وبدلاً من ماما، تصبح “الوالدة” أو “الشيبانية” أو “ثاوسّارت”…
تتعدد العلاقة، تتنوع الرموز، تكبر الأم وتكبر. يكبر الابن لكن الأم تبقى دائماً هي الكبرى، والأبن، مهما كبر، يبقى دائماً هو الأصغر.
تموت أمهات. تهاجر أمهات. لكن الأم كصورة تبقى. كرمز تبقى. تتحول في ذهن الكبار من كائن ملموس إلى ميتافورة. تصبح حقلاً ينبت سنبلة. تصبح وطناً ينتج أبطالاً. تصبح تاريخاً يغنى جيلاً فجيلا. تصبح رعداً يمطر أملاً.
تذهب الأمهات ككائنات بيولوجية وتبقى الأم كأسطورة. نتألم. وحيثما كنا متى ما كنا نردد أو نصرخ: أمي! نسجلها أغنية في زمن الحرب وزمن السلم: “أحن إلى خبز أمي وقهوة أمي”. “أجمل الأمهات تلك التي انتظرت ابنها وعاد مستشهداً” (من أغاني مارسيل خليفة). “نم أيها الزنجي نم، فماما في الحقل من أجلك تكدح” (أغنية لفيكتور خارا). “لالاّ ثامّورث ينو قا شم عاذ ثدجوزذ، أثباب نّم ودّارن يمّا شم ثمّنزذ” (أغنية ل إين أومازيغ).
تتحول الأم إلى لوحة نجسد فيها حبنا اللامشروط للإنسان إذ كم من فنان لم تفته الفرصة كي يحول موضوع الأم إلى أروع لوحة أو أجمل قطعة نحتية.
تحضر الأم كرواية. تتسرب في صمت بين أسطر روائع الفن والأدب. من منا لا يتذكر “أم” جوركي أو إحدى روائع الأفلام الهندية “أمنا الأرض”؟
تذهب الأمهات وتبقى الأم حاضرة في المكان والزمان. من منا يستطيع أن ينفي هذه العلاقة الملازمة لكثير من الشعوب بين الأم والوطن، بين الأم والتربة؟ من منا لم يلاحظ عمالاً في المهجر يقبلون حفنة من تربة بلادهم ويتشممونها فيعود بهم الحنين إلى الأم والطفولة؟
تذهب الأمهات وتبقى الأم طابو مقدساً. يتجسد تقديسها في الحرمان المطلق من مسها بسوء، ولو رمزياً: يكفي أن نقول لشخص ما “يا ابن + صفة سلبية للأم” لكي يطعن في العمق أو يهان أيما إهانة! وأكثر من ذلك، يكفي ترديد كلمة الأم فقط، زائد ضمير المخاطب، زائد رنة معينة، (أمك!) في بعض المناطق المغربية لكي ترى الأسنان تتطاير والدماء تسيل! يكفي أن تحلف “وحق أمي” أو “أذشّغ لالاّ يمّا” لكي تهدد عدوك بصرامة موقفك الذي لا رجعة فيه!
من منا يستطيع أن ينكر هذه الشخصية الضعيفة العظيمة، الغائبة الحاضرة، محور الواقع والخيال الذي ينسج الانسجام الوحدة؟ هذه الأم التي تشترك جميع شعب العالم في “ميمها”: ماما، يمّا، أمي، ماظري، ماتير، موتّير، ما، مي، م، إلخ.؟ أية علاقة أقوى من علاقة الانجذاب الميغناطيسي للأم في الثقافة والأسطورة الأمازيغية مثلاً، حيث تتحول الأم إلى قطب نسق القرابة: ما = الأم، أوما = الأخ، أولتما = الأخت، أنياتما = الخال، تيس ن يمّا = الجد من الأم، أك إيلت ما = ابن الأخ أو الأخت…؟
في كل الثقافات نجد الأم تحتل مكانة هامة في المتصور الاجتماعي: وهل من ثقافة أكثر من الثقافة الهيلينية والغربية تمكنت من جعل الأم قطباً لهذا الصراع الرمزي على مستوى المتصور الجماعي، والذي تعبر عنه عقدة أوديب؟ وفي كل ثقافة نجد هذه الغريزة الدفينة في كل امرأة، غريزة الأمومة: سالت يوماً مراهقة عن أملها في الحياة ففاجأتني بجواب لم أكن أتوقعه من منظور سؤالي: أتمنى أن أصبح أماً! بهذا رمزياً تكون كل أم أماً قبل أن تصبح أماً!
تعظم الأم في المتصور والخيال، ولكنها تعظم أيضاً في الواقع، فتتحول إلى حلقة نشيطة في علاقات الحب والكراهية. ففي مجتمع كمجتمعنا حيث تقهر المرأة اجتماعياً، تخلق الأم إمبراطوريتها المغلقة لتمارس حكمها المطلق: تعوض ضعفها الخارجي بسلطة داخلية لا تقهر. تمارس استبداديتها ضد ابنها الذي لا يستطيع أن ينبس أمامها ببنت شفة ولا أن “يرُدّ” لها كلمة! ومن كثرة حبها المستبد – أو استبدادها العاشق – للابن، تصبح الأم ألد أعداء زوجة الابن الموضوع بين نارين للعشق.
تعظم الأم في الواقع أيضاً عندما تستحضر ذاكرتُنا آلاف الأمهات في فلسطين ولبنان وسوريا وإسبانيا الحرب الأهلية والشيلي والأرجنتين زمن الدكتاتورية… أمهات قاومن ويقاومن قوى الظلم والعدوان بأغلى ما يملكن من فلذات أكبادهن. تعظم الأم حينما تكون جندياً مجهولاً، تعرّف بقضية في الدوار وفي الجبل، تحاور نساء العمال والفلاحين، تجمع التبرعات لمساندة الأم-القضية.
تعظم الأم حينما تقدم بشجاعة فلذات أكبادها فيعتقلون أو يعذبون أو يقتلون فداء للوطن. تعظم الأم حينما تتحول إلى رعد يدوي في كل الآفاق فتقشعر الجلود لصوتها الدافئ والحازم، عندما تتحقق مرة أخرى فكرة العذراء التي تصبح أماً: سناء المحيدلي، تلك الشابة اليانعة التي تزوجت رمزاً فأصبحت أماً لقضية بعد أن قدمت روحها فداء للابن الذي سيأتي مبتسماً في زمن الحب والسلم!
يأتي من جديد عيد الأم. تفرح أمهات. يبتسم الأطفال. تملأ الأم بكثافة كل الأمكنة وكل الأزمنة. وإذ يحتار المرء في اختيار الهدية، فلا يجد من هدية أجمل غير وعد الأم بالاستمرار في السير قُدُماً نحو تحقيق الحُلم الذي بدأته كجندي مجهول!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *