علاقة آل عبد الكريم الخطابي بالإسبان في العقدين الأولين من القرن العشرين :( 1907 ـــ 1919 ) الجزء الـثـانـي

ـــ كاطالونيا : عبدالمالك مروان ــ
إن مرحلة المغامرات و تبادل المصالح بين آل عبدالكريم الخطابي والإسبان قد انتهت مع مرور الأيام ، حيث إن آل عبدالكريم قد شاهدوا أذني الذئب ، وأخذوا يشتغلون لاستعادة شهرتهم ، واحترام وتقديربني ورياغل لهم ، من خلال عزم الفقيه عبدالكريم ( الأب ) على سحب تعاونه السابق مع الإسبان بالتدريج وبدون ضجيج ، أو استعمال العنف ضدهم ، وإعلان ابنه الأكبر محمد عن مواقف معارضة لعملهم العسكري والمدني بالريف ، بالإضافة الى انحيازه مع والده وباقي الريفيين الى دول الوسط التي كانت تقاتل ضد دول الوفاق في الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918 ) ، بسبب النشاط المكثف للمخابرات والجواسيس والعملاء الألمان الذين نجحوا في تمويل حركات
ببعض أراضي ريف الريفيين لتقاتل ضد قوات مناطق الحماية الفرنسية التي تحدها ، وانضمام الإمبراطورية العثمانية اليه ( تركيا ) التي يجمعها معهم نفس الدين ( لإسلام ) .
إن مواقف محمد بن عبدالكريم من الحرب العالمية الأولى قد فاجأت السلطات العسكرية بقيادة مليلية ، وحكومة مدريد التي كشفت عن أنيابها وعن تحديها للريفيين بتأييدها لدول الوفاق وذلك بإصرارها على فتح تحقيق بضغط فرنسي ضد محمد بن عبدالكريم الذي قاده الى السجن ، مع طرده من عمله بمليلية ( قاضي القضاة ) ، وحرمان والده من المعاش .
وقد تجاوز الطرفان بعد ذلك كل الخلافات ، واتفقا على استئناف علاقتهما بشكل عادي وطبيعي ، حيث عاد محمد الى عمله ، واستفاد الفقيه عبدالكريم ( الأب ) مرة أخرى من المعاش ، ورحل ابنه الأصغر امحمد الى مدريد للدراسة بإحدى كلياتها في تخصص : هندسة المناجم .
لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن ، حيث أهان الإسبان المغاربة و آل عبدالكريم الخطابي من جديد ، عندما سلموا للفرنسيين في مطلع سنة 1919 حوالي 60 أو 70 من الريفيين الذين أعدموهم بسبب قتالهم ضدهم في حرب (1914 ــ 1918) ، وكان ذلك بمثابة القطرة التي فاضت الكأس ، حيث أسفر ذلك التصرف عن مغادرة ابن الفقيه الأكبر محمد مليلية نهائيا في يناير سنة 1919 ، وعن عودة ابنه الأصغر امحمد الى الريف تاركا دراسته الجامعية بمدريد في فبراير من نفس السنة احتجاجا على ما حدث ، وبعد ذلك اجتمعا مع والدهما بأجدير لاتخاذ إجراءات صارمة ضد الإحتلالين الإسباني و الفرنسي .
1ـــ مرحلة توتر علاقة آل عبدالكريم بالإسبان
1ـــ 1ـــ الأسباب
لقد بدأت تتوتر علاقة آل عبدالكريم الخطابي بالإسبان منذ صيف 1914 لعدة أسباب أهمها :
ـــ أ ـــ ضغط بني ورياغل على آل عبدالكريم
إن آل عبدالكريم الخطابي قد تعرضوا لانتقادات كثيرة من الرجال البارزين من بني ورياغل الذين اتهموهم بالخيانة ، بسبب حماسهم وتعاونهم المفرط مع الإسبان ، أسفر ذلك عن الهجوم على منزلهم بأجديرو إحراقه ، وعن هروبهم الى الحسيمة للإحتماء بأصدقائهم الذين رحلوهم الى تطوان حفاظا على أرواحهم حيث استقروا به من شتنبرسنة 1911 الى مايو سنة 1913 (62) ، مقابل مساعدتهم لتحقيق إنزال بحري بالحسيمة ، لكن ذلك لم يحدث بتراجع القوات الإسبانية عن تنفيذه ، وبمراجعة آل عبدالكريم أوراقهم في اخر لحظة تفاديا لماهو أسوأ ، حيث أخذوا يسحبون تعاونهم مع الغزاة بالتدريج وبدون عنف ، لاستعادة ثقة وتقدير واحترام بعض رجال بني ورياغل لهم الغاضبين عليهم منذ مدة (63) .
ـــ ب ـــ إنضمام الإمبراطورية العثمانية ( تركيا ) الى دول الوسط
إن الريفيين لم يكونوا محايدين من أحداث الحرب العالمية الأولى حيث كانوا يؤيدون دول الوسط (64) بقيادة المانيا وذلك لسببين رئيسيين :
* الأول : انضمام الإمبراطورية العثمانية التي يجمعها معهم نفس الثقافة والدين للقتال الى جانب الحلف المذكورمنذ أكتوبر سنة 1914 ، حمسهم لإرسال مقاتلين متطوعين للجهاد بأوروبا ، أو لتوجيه حركات ضد فرنسا فوق الأراضي المغربية التي إحتلتها .
وقد نتج عن ذلك ظهور أفكارسياسية جديدة لدى محمد ابن عبدالكريم الخطابي التي تتلخص فيمايلي :
ـــــ العداء للفرنسيين الذين يقمعون المغاربة .
ـــــ الإعلان عن تأييده كباقي الريفيين للحلف الألماني ( دول الوسط ) .
ـــــ إعلانه عن خيبة أمله وتأسفه عن جمع الإسبان بالريف بين العملين العسكري و التدخل المدني السلمي الهادئ الذي من شأنه أن يؤدي الى اجتياح أراضي ريف الريفيين بهدوء .
ـــــ كآبته وعدم ثقته بالعرق الإسباني ، حيث قال في إحدى المناسبات : ” إنهم لايعتبروننا أبدا مثلهم ويعاملوننا دائما كالكلاب ” (65) .
* الثاني : نشاط بعض المخابرات والجواسيس والعملاء الألمان بالريف
تشير بعض المصادربأن محمد بن عبدالكريم قد حاول تحقيق أفكاره السياسية على أرض الواقع حيث بدأ يتصل سريا مع بعض رجال المخابرات و الجواسيس والعملاء الألمان الذين كانوا ينشطون بالريف للبحث عن مقاتلين متطوعين لنقلهم للقتال بأوروبا مع الحلف الألماني ، أو لتنفيذ حركات مضادة للقوات الفرنسية في مناطقها المتاخمة لريف الريفيين ، وكان أشهرهم ” فارلي ” ، الذي اتصل بمحمد بن عبدالكريم ووالده بهدف تمويل حركة (66) تتكون من بني ورياغل للهجوم على الفرنسيين شمال تازة (67) .
وتفيد بعض المعطيات التي كانت متوفرة لدى مكتب المعلومات لدى القيادة العامة بمليلية بأن آل عبدالكريم الخطابي قد حصلوا من الألماني ” فارلي ” على 70 الف دورو فضية (68) ، وقد عرض أيضا على بني ورياغل أسلحة خفيفة تابعة للشركة التجارية الألمانية ” مانيسمام ” ، التي كانت تشحن عبر سفن تهريب هولندية (69) .
وقد أشار القبطان انطونيو فيلا روبيو في كتابه ” كايوفاس … 1941 ” ، الى عمليات مماثلة تمت بمليلية ، تصف لنا الطريقة التي كانت تصل بها الأموال الألمانية الى بعض زعماء القبائل الأخرين بريف الريفيين ، واخر ماشاهد تلك التي تمت من منزل ” البشير بن سناح ” (70) الذي حصل من الألماني ” جرلاش ” على مبلغ 30000 بسيطة ( تعادل قيمتها اليوم حوالي 90 مليون سنتيم أو أكثر ) ، حيث قام بتحويلها الى قطع نقدية معدنية ، ثم خرج بها ليلا من منزله الكائن بشارع بابيونيس بمليلية ، على ظهور أربعة بغال في اتجاه تفرسيت لتوزع لرجال الحركة ، وكان البشيرالمذكور قد وعد قائد امطالسة ” الحاج أعمار المطالسي ” (71) ليسلم له نصف المبلغ ( ربما لتنفيذ حركات ضد الفرنسيين جنوب قبيلته ) ، لكنه خانه في الأخير ، حيث لم يمنح له الا القليل ، وقد غضب عليه الحاج أعمار وحكى ما حدث للشرطة ” (72) .
ـــ ج ــ شكايات بعض الرعايا الإسبان وأتباعهم من آل عبدالكريم الخطابي
لقد بدأت تتوارد بعض الشكايات على قيادة مليلية بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى ضد بعض العائلات ، أو بعض الأشخاص ، أو ضد قرية ، أو جهة معينة ، وكان أبرزها شكاية اليهودي ” مسعود بنيان ” التي وجهها الى القائد العسكري بالحسيمة ضد آل عبدالكريم الذي أحال مضمونها على قائد قيادة مليلية ” كوميز خورنادا ” في 1 غشت سنة 1914 ” يقول فيها : ” … يعمل سيدي عبدالكريم مع ابنه سي محند وعائلته لضم حقل هناك … ، إذن قد توصل برسائل من أعدائنا يعرضون عليه الوقوف بجانبه ، ويدعونه الى مغادرة إسبانيا ، والثورة مثل الروكي بوحمارة.
لقد حولت لكم تصريحات مسعود ، … لاعتبارها جد خطيرة … (73) .
2 ـــ 1ـــ محاولة قيادة مليلية للحفاظ على علاقتها الجيدة بآل عبدالكريم
لقد توصل القائد العام لقيادة مليلية ” كوميز خورنادا ” في 18 غشت سنة 1914 برسالة من محمد بن عبدالكريم الخطابي ، شكى فيها من القائد العسكري الإسباني بالحسيمة الذي رفض استقباله ، وفي المقابل كان يستقبل أعداء عائلته ويهتم بهم (74) .
لم يتسرع القائد المذكور في إصدار أي قرار من شأنه أن يدمر علاقته بآل عبدالكريم ، بل تصرف بذكاء ، ففي 22 غشت سنة 1914 أي بعد مرور أربعة أيام على توصله برسالة محمد بن عبدالكريم منح لهذا الأخير 500 بسيطة كهدية لأبيه مرفوقة بتحيات ودودة … ، ويذكره بعدم اليأس في منع إرسال حركات من ساحل قبيلته في اتجاه كرط لقتال الإسبان (75) .
3ـــ 1ـــ تغيرجدري في علاقة الطرفين
ــ أ ــ إستقالة محمد بن عبدالكريم من تلغراما الريف ومن كلية اللغة العربية
لم يفلح القائد العام لقيادة مليلية في الحفاظ على علاقته الطيبة بآل عبدالكريم ، فمحمد بن عبدالكريم بدأ يدير ظهره للإسبان بمليلية خاصة بعدما واجه طلبه للحصول على الجنسية الإسبانية في سنة 1915 صمتا إداريا ( لم يقبل ولم يرفض ) ، وفي نفس السنة توقف عن عمله كمحرر بتلغراما الريف ، واستقال من كلية اللغة العربية بمليلية التي كان يدرس فيها العربية ثم الأمازيغية الريفية ( الشلحة ) فيمابعد (76) .
ــ ب ــ ظهورمواقف معارضة لحياد إسبانيا في الحرب العالمية الأولى
إن الحكومة الإسبانية التي كان يرأسها ” إدواردو داتو ” (77) كانت لها مواقف محايدة من الحرب العالمية الأولى . لكن مواقف ” رومانونيس ” كانت مغايرة تماما ، فقد نشربيانا للعموم سماه ” الحياد القاتل ” ، أشار فيه الى ضرورة انحياز إسبانيا الى فرنسا و أنجلترا ، ولتحقيق مشروعه رأى من الضروري إدخال تعديلات على القوات المسلحة الإسبانية في أكتوبر سنة 1915 التي بإمكانها أن تطيح بحكومة ” إدواردو داتو” ذات المواقف المحايدة السلبية من الحرب الدائرة بأوروبا (78).
ــ ج ـ رد فعل الريفيين
إن المواقف الجديدة التي ظهرت بإسبانيا والداعية الى ضرورة وقوف إلإسبان بجانب دول الوفاق (79) في حرب (1914 ـ 1918 ) ، حركت معظم زعماء الأهالي بريف الريفيين ومنهم الفقيه عبدالكريم وابنيه ، الذين كثفوا نشاطهم السابق وعملوا لتنظيم حركات ضد الفرنسيين فوق الأراضي المغربية التي سيطروا عليها ، أو لإرسال مقاتلين متطوعين الى أوروبا لدعم تركيا وباقي دول الوسط وبدون إخفاء عدائهم القوي للإسبان .
4 ــ 1ـــ إحالة محمد بن عبدالكريم الخطابي على التحقيق
إن تحركات محمد بن عبدالكريم الخطابي ووالده ، وبني ورياغل ، وباقي الريفيين وانحيازهم لدول الوسط ، إحتج عليها المقيم العام الفرنسي بالمغرب ” الماريشال ليوطي ” (80) ، وأرغم السلطات الإسبانية الإستعمارية على التدخل لإحالة محمد بن عبدالكريم الخطابي على التحقيق الذي تكلف به ” فيسينتي سيست روبييو ” قبطان الخيالة والمسؤول بمكتب المعلومات والشؤون الأهلية بالحسيمة شهرين قبل إعتقاله وبالضبط في 15 غشت سنة 1915 (81) ، ولا نعرف هل تعرض فيه محمد لضغط وعنف أم لا ؟ وقد أسفر عن النتائج التالبــة :
ــــ إن محمد بن عبدالكريم يكره الفرنسيين ويبحث عن كل الوسائل لقتالهم .
ــــ يعظم المسلمين ، ويتطلع الى إستقلال الريف الغير محتل .
ــــ إن الصراع الأوروبي في الحرب العالمية الأولى بإمكانه أن يغير المنطقة ( الريف ) وشروط الحماية الإسبانية بها .
ــــ يعمل ” حزب الشباب التركي ” لإيقاظ العالم الإسلامي ضد الحلفاء .
ــــ إيقاظ العالم الإسلامي دعوة الى الجهاد ( حرب مقدسة ) ضد الذين يضطهدون الإسلام .
ــــ إن والد محمد بن عبدالكريم يعانق الفكرة المذكورة ( الجهاد ) بحماس ويعمل بها .
ــــ هدف محمد بن عبدالكريم هو تكوين حكومة مستقلة في الأراضي الريفية الغير محتلة ، و مخزن بإمكانه أن يتفاوض مع إسبانيا .
ــــ الهدف الأول من عمله هو فرض ضريبة حرب على بني ورياغل والقبائل الريفية الأخرى الغير محتلة من قبل الإسبان .
ــــ يمكن له بعد ذلك إنشاء حركات بدون غرض عدواني ، وقوة للحراسة بكرط غير معادية للإسبان إذا لم يتقدموا ، وأماله بعد نهاية الحرب العالمية الأولى هو إستقلال الريف الغير محتل .
ــــ لم يعد والد محمد بن عبدالكريم الى الحسيمة ولا الى مليلية لزيارة جنيرال ساحتها .
ــــ يعتبر بلدته ميتة في حالة ما إذا احتل الإسبان بني ورياغل .
ــــ يجب على إسبانيا الإكتفاء بما احتلته من الأراضي والإستغناء عن الباقي (82) .
5 ـــ 1ـــ القبض على محمد بن عبدالكريم ورد فعل والده
ــ أــ القبض على محمد بن عبدالكريم
لقد قبض الإسبان على محمد بن عبدالكريم الخطابي في أكتوبر سنة 1915 بتهمة خيانة إسبانيا والترويج للألمان ، وبأمر من قائد قيادة مليلية الجديد الجنيرال ” أيسبورو” (83) ، الذي كتب رسالة الى القائد العام للقوات الإسبانية بالمغرب الجنيرال برينكير بتاريخ : 3 مارس سنة 1919 يشرح فيها سبب إقدامه على إعتقال محمد بن عبدالكريم قال فيها :
” … تقوم هذه العائلة ــ عبدالكريم ــ بإشهار ودعاية كبيرة مغال فيها للألمان ، وحسب بعض الأخبار الموثوق بها فهم يملكون ببني ورياغل مكتبا يتوافد عليه كل أهالي هذه القبيلة حيث يذهبون لتضخيم مضيفي المهيج عبدالمالك (84) ، ويذهب هناك أيضا من خصص له معاش لقبضه مقابل التعاون مع الألمان … ، تعاون عبدالكريم هذا فرض علينا مراقبة سلوك إبنه سي محند ــ الأكبرــ … ، الذي انتهى به الأمر الى السجن في شهر أكتوبرسنة 1915 ، وعزل من منصبه كقاض للقضاة في 7 نونبر من نفس السنة … ” (85) .
ــ ب ــ مكان سجنه
يتضح من خلال تصريح محمد بن عبدالكريم بعد خروجه من السجن بأجدير للصحفي الإسباني ” لويس دي أوتيزا ” ، أنه قد أودع بسجن” كابريريسا العليا ” شمال مدينة مليلية وليس بسجن ” روستروكوردو” كما يظن بعض الكتاب ، وقد مكث فيه حوالي خمسة أشهر بدون محاكمة ، زائد ستة أشهر الا يومين بعد المحاكمة ، ومجموع ما قضاه في السجن حسب تصريح محمد بن عبدالكريم لنفس الصحفي بأجدير حوالي إحدى عشرة شهرا
الا يومين ، ولم يكن مرتاحا في المكان الذي سجن فيه (86) .
ــ ج ــ رد فعل والده
إن والد محمد بن عبدالكريم قد راجع أوراقه بعد اعتقال ابنه الأكبر محمد ، وتخلى عن تعاونه مع الإسبان الذين حرموه من المعاش منذ إعتقال إبنه ، حيث كثف نشاطه ببني ورياغل ضد فرنسا وحلفائها ، وتعامل بشكل مكشوف مع المخابرات والعملاء الألمان الذين كانوا يوزعون الأموال بالريف مقابل الوقوف بجانب دول الوسط في الحرب الكونية الأولى ، بتوجيه حركات ضد مناطق الحماية الفرنسية بالمغرب التي تحد ببعض قبائل ريف الريفيين، ويتضح ذلك من خلال برقية مشفرة وجهها القائد العسكري الإسباني بالحسيمة الى القائد العام لقيادة مليلية الجنيرال ” أيسبورو ” بتاريخ 13 فبراير سنة 1916 أي بعد أربعة أشهر من اعتقال محمد بن عبدالكريم قال فيها :
” إن الفقيه عبدالكريم يواصل منح المعاشات ، ويشتغل بنشاط لإحداث الإنشقاق في العائلات … وقد قرأ أيات قرآنية على أصدقاء إسبانيا لضمهم اليه حيث أكد لهم تحريم دينه ( الإسلام ) أخذ المعاش من الإسبان ، لكن عكس ذلك يمكن أخذه منه (87) .
وقد أكد ما يحدث الملازم الأول والعقيد ريكلمي الذي أنجز تقريرا بالحسيمة في 7 شتنبرسنة 1916 ، أشار فيه الى النشاط المكثف للفقيه عبدالكريم ببني ورياغل المعادي لدول الوفاق و الإسبان والمؤيد لدول الوسط ، والى تضاعف العمليات الموجهة ضد الفرنسيين من أراضي ريف الريفيين التي كان يقودها عبدالمالك الجزائري الذي تمكن من تكوين حركة موحدة مع الفقيه عبدالكريم مكونة من 90 رجل (88) .
ــــ يتبع ـــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(62) خ . ف سالا فرانكا : مرجع سابق ، ص : 31
(63) مادرياكا ماريا الروسا : إسبانيا والريف ، … تاريخ يكاد يكون منسيا ، مكتبة مليلية 1999 ص ص : 351 ـ 354
(64) كانت تتكون من النمسا ـ المجرية ، والمانيا ، والإمبراطورية العثمانية ، وانضمت اليها فيما بعد بلغاريا .
(65) سالا فرانكا أورتيكا و خيسوس . ف . : البعد الدولي لجمهورية الريف ، … هيسبيريد باييزا 1985 ص ص : 335 ـ 341
(66) الحركة ( بسكون على الراء ) عبارة عن قوات غير منظمة ، لها قيادة خاصة ، تتشكل من الأهالي لأغراض دفاعية أو هجومية ، كانت معروفة في تاريخ المغرب منذ زمان ، حيث إن بعض السلاطين وعمالهم وقوادهم نفذوا حركات لتأديب القبائل المتمردة ، وعرف الريف حركات ضخمة ضد الإسبان في عهدي الشريف محمد أمزيان ، ومحمد بن عبدالكريم الخطابي كانت تتعدى أحيانا 5000 مقاتل ، وشهد أيضا حركات مؤيد للإسبان كحركات أعمار أوشن وقدور نعمار ببني سعيد ، وحركات عبدالقادربن الحاج الطيب من بني شيكر ، وحركة عبدالمالك الجزائري بأعزيب ميضار ، و حركات عبيد الله بن بوزيان بامطالسة … الخ ، وقد اعتمد الجنيرال فرانكو على الحركة الريفية ضد معارضيه في الحرب الأهلية الإسبانية ( 1936 ـ 1939 ) التي كانت تتحرك بأوامر من قادة جيشه الإسبان .
(67) مادرياكا ماريا روسا : مرجع سابق ، ص ص : 351 ــ 354
(68) قطعة نقدية إسبانية كانت تعادل حوالي 5 بسيطة ، ولازال إسم دورو متداولا بريف الريفيين ، حيث أن واحد دورو بالمنطقة يعادل اليوم 50 سنتيم أو نصف درهم مغربي .
و70 ألف دورو فضية كانت تساوي 350000 بسيطة، وواحد بسيطة تعادل حاليا 3 أورو ، وهو مبلغ مالي ضخم في العقد الثاني من القرن العشرين حيث يعادل اليوم حوالي : 11550000 درهم مغربي ،( في حالة إعتبار فقط بأن سعرواحد أورو يساوي 11 درهما ) .
(69) خ . ف . سالا فرانكا : مرجع سابق ، ص : 32
(70) كان قائدا للجيش الحكومي المغربي الذي قدم الى الريف بعد أحداث حرب ماركالو لتأمين حدود مليلية من هجمات الأهالي ، وقد استقر بقصبة فرخانة قبل قدوم بوحمارة بحوالي 500 جندي مغربي الذين اشتبكوا مع الأهالي وأسفر ذلك عن سقوط الكثير من القتلى والجرحى في صفوف الجانبين ، وعن هروب بن سناح الى مليلية ، حيث ادعى هناك في أكتوبر سنة 1909 أنه قد أرسل من قبل السلطان المغربي المولى عبدالحفيظ للتوسط بينهم وبين زعماء قبائل الريف الثائرة ، وكان معروفا فيما بعد في التوسط بين الألمان والريفيين لتنفيذ حركات ضد الفرنسيين فوق الأراضي المغربية التي سيطروا عليها .
(71) كان الحاج أعمار المطالسي ينتمي الى جماعة لقلالشة التي تقع على بعد 7 أو 8 كلم شرق مدينة الدريوش الحالية ، إزداد في القرن 19 ، جاهد مع الشريف محمد أمزيان ضد الثائر بوحمارة والإسبان ، و كان بمثابة ساعده الأيمن ، حيث ساهم في تكوين مجموعة من الحركات ضد الإسبان قبل وبعد إستشهاد الشريف ، و تعاون معه في القضاء على بعض مشوشي ثورة الريف ، و كلفه بمجموعة من المهام كالرحلة الى ملوية للبحث عن الأسلحة من الجزائريين في سنة 1911 ، وتبادل أسرى ” إزارورا ” في قدم جبل شمار مع الجنيرال الإسباني ” أيسبورو ” في مطلع سنة 1912 ، وقد قال عنه العقيد الإسباني ” كونزالو كالفو” في كتابه ” المغرب 1910 ـ 1913عندما غادر قدم جبل شمار بعد مهمة تبادل الأسرى المذكورة بأنه ” … كان في الخامسة و الخمسين من عمره راكباعلى فرس رائع ، وفوق كرسي غني ، بشرته سمراء ، ولحيته رمادية اللون ، وصوته معدني يسمع من بعيد ” .
نجا بأعجوبة من الموت يوم إستشهاد الشريف محمد أمزيان ، لم يستسلم و استمر في قتال الغزاة الى أواخر العقد الثاني من القرن العشرين حيث تفيد بعض الروايات أنه قد توفي في سنة 1918 ، وفي روايات أخرى سنة 1921 متأثرا بجرح في إحدى المعارك مع الإسبان على ضفاف واد كرط ، ودفن بضريح سيدي علي بقرية تسلي جماعة امطالسة التابعة لإقليم الدريوش ، وضريحه طاله النسيان ومهدد بالتعرية ، رغم أنه كان معروفا في المقاومة لدى الصحافة الإسبان في العقدين الأولين من القرن العشرين .
(72) عن فرانسيسكو سارا كاندارياس : حرب ( 1914 ـ 1918 ) الألمان بمليلية ، مقال نشره على موقعه الإيكتروني بتاريخ : 27 ـ 02 ـ 2011 .
(73) وثائق عبدالكريم ، السجل : 3 ، الحافظة : 9 ، الصحيفة : 34 ، عن كاساس دي لافكا : مرجع سابق ، ص : 163
(74) وثائق عبدالكريم : السجل : 3 ، الحافظة : 9 ، الصحيفة : 43 ، نفس المكان .
(75) وثائق عبدالكريم : السجل : 3 ، الحافظة : 9 ، الصحيفة : 35 ، نفسه .
(76) مانويل كالبان خمينيس : إسبانيا بإيفريقيا ـ تهدئة المغرب ـ الخدمة الجغرافية للقوات المسلحة ، مدريد 1965 ص : 85
(77) ولد بلاكرونيا في 12غشت سنة 1856 ، سياسي إسباني من المحافظين ـ تكون بجامعة مدريد ، محامي المهنة ، ترأس مجلس النواب بعد بداية مشواره السياسي ، و تقلد عدة مناصب وزارية بعد ذلك في عهد الملك الأسباني الفونسو 13 : وزير البحرية ، وزير الدولة ، وزير العدل ، ورئيس الحكومة مابين 1913 و 1917 … ، توفي بمدريد في 8 مارس سنة 1921 .
(78) عن اليومية الإخبارية الشاملة عدد : 29 غشت 1915
(79) كانت دول الوفاق تضم في البداية كل من صربيا و روسيا و فرنسا وبريطانيا ، ثم انضمت اليها مجموعة من الدول الأخرى ، كبلجيكا والجبل الأسود واليونان والبرتغال وإيطاليا ورومانيا و لبيريا و اليابان والصين و البرازيل وكوبا وبناما والولايات المتحدة الأمريكية ، حيث أن معظم الدول التي لاتنتمي الى أوروبا ــ ماعدا الولايات المتحدة الأمريكية ــ كانت تقاتل الألمان في مستعمراتهم .
(80) هو لويس كونزالف ليوطي ، ولد بنانسي في 17 نونبر سنة 1854 ، جنيرال فرنسي ، اشتغل بالهند الصينية و الجزائر وفرنسا ، كان مقيما عاما فرنسيا بالمغرب ما بين 1912 و 1925 ، دافع عن مبدأ حماية بلاده بالمغرب ، في عهده خضعت سهول الأطلس ، وجبال الأطلس المتوسط ، وواجه قبائل الريف ، وباقي القبائل المغربية المتمردة .
قام بعدة أشغال بالمغرب لتسهيل تغلغل بلاده الإستعماري كالطرق والقناطر … الخ ، توفي بتوري في 17يوليوز سنة 1934 .
(81) خ . ف . سالا فرانكا : مرجع سابق ، ص . ص : 32 ـ 33
(82) سالا فرانكا أورتيكا : مرجع سابق ، ص .ص : 335 ـ 336
و مادرياكا ماريا روسا : مرجع سابق ، ص . ص : 355 ـ 356
(83) جنيرال إسباني شارك في الحملات الإسبانية على ريف الريفيين ، وتقلد عدة مناصب : قائد قيادة مليلية ، ثم مقيما وقائدا عاما للقوات الإسبانية بالمغرب في عهد الديكتاتور بريمو دي ريفيرا ، ووزيرا للحرب من 26 مايو سنة 1923 الى 15 شتنبر من نفس السنة .
(84) هو عبدالمالك بن محي الدين الجزائري ، المنحدرمن الأمير عبدالقادر الجزائري ، قاتل القوات المخزنية بجانب الروكي بوحمارة وتخلى عنه فيما بعد ، كان معاديا للفرنسيين بالمغرب ، حيث قاد حرب عصابات ضدهم ، في اجبالة وورغة وكزناية ، وسيطر على المحور الطرقي الرابط بين تازة ووجدة ، والحق بهم خسائر فادحة بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى فقد نفذ ضدهم حركات قوية ممولة من الألمان تضم العشرات من المقاتلين الريفيين خاصة .
إقترح على الإقامة العامة الإسبانية بتطوان في العقد الثالث من القرن العشرين تشكيل حركات مضادة لمحمد بن عبدالكريم الخطابي ، وقد انتقل الى مليلية حيث زوده الإسبان بالأموال و العتاد ، ثم كون حركة بأعزيب ميضار في سنة 1924 كانت تضم حوالي 900 مقاتل من الخونة ينتمون الى مختلف القبائل الريفية ، وقد واجهها مجاهدي ريف الريفيين بقوة ، و أسفرت إحدى معاركها الفاصلة عن إندحار عناصرها وعن مقتل قائدها عبدالمالك الذي دفن بتطوان .
(85) وثائق عبدالكريم : السجل : 2 ، الحافظة : 4 ، الصحيفة : 49 ، مرجع سابق ، ص : 165
(86) لويس دي أوتيزا : عبدالكريم والسجناء ، مطبعة العالم اللاتيني ، مدريد ـ بدون تاريخ ـ ص : 132
(87) وثائق عبدالكريم : السجل : 3 ، الحافظة : 10 ، الصحيفة : 110 ، مرجع سابق ، ص : 165
(88) مانويل كالبان خمينيس : مرجع سابق ، ص : 86
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ،
إليكم القسم الأول من الجزء الثاني من موضوع : ” موقف آل عبدالكريم الخطابي من الإسبان في العقدين الأولين من القرن العشرين 1907 ــ 1919 .
سيتبع لاحقا بحول الله بالقسم الثاني و الأخير .
الرجـــاء منكم وضع العناوين الفرعية مرتبة كماهي ، حفاظا على وحدة الموضوع مع الإحتفاظ بنفس صورة العمود .
وفقكم الله في عملكم ، وتقبل الله صيامكم .