عندما تهجرنا الكفاءات

عندما تهجرنا الكفاءات
الهجرة إلى الخارج … وهجرة إلى الداخل

achour_74@hotmail.fr
عاشور العمراوي
الهجرة أنواع … لنا هجرة إلى الخارج، تحسبها بالجوازات والتأشيرات . ولنا أيضا هجرة داخلية .. فحتى الأدمغة التي لم تذهب إلى الخارج، تهجر داخليا.. فهناك إذن هجرة الأدمغة، والهجرة داخل الأدمغة .. فعندنا عدد من المثقفين الذين بقوا في بلدانهم، لهم هجرة داخل أدمغتهم .. وكم مثقف يفتخر إذ يقول إن آخر كتاب قرأته كان منذ ثلاثة أو أربعة شهور. هذا يؤسف له حقا .. فقد وصل لحد من العلم، بحيث أنه مدير عام أو وزير، وهو ليس محتاجا، وكان عليه أن يتتبع المعرفة ، وهذه هجرة للمعرفة.
وإذن، عندنا هجرة إلى الخارج، وهجرة داخلية، وهي أن الكفاءة موجودة ويجب أن تبقى في بلدها وتحارب العراقيل الموجودة وهي مهمشة.. وهناك أشخاص لهم أدمغة أو كانت لهم أدمغة ومعرفة، وهم الآن في موقع المسؤولية، ولا يستغلون هذه المعرفة بل أكثر من ذلك يضيعون المعرفة. والمهم أننا واعون بالإشكالية.. وأريد أن أركز على قضية “الأدمغة”، وهي أن العبارة قد استعملت لأول مرة بالإنجليزية.. وأتذكر، لأن هناك قرارا للجمعية العامة للأمم المتحدة وقم 2320 ” وتاريخه: عام 1967 ” ، وكانت المبادرة من الهند ومصر وإيران والبرازيل ونيجيريا، وكنت ممثلا لمنظمة اليونيسكو آنذاك، وكان مطلوبا مني أن ألعب دورا في هذا المضمار.. وأول دراسة في الموضوع ظهرت عام 1968 .. وبعد ذلك ظهرت دراسات أخرى.. لكن العبارات مهمة..، فقد بدأنا بعبارة باللغة الإنجليزية وهي ” Brain Drain ” ، وكان السؤال المطروح : كيف نترجم العبارة؟ وبعد أخذ ورد تم الإتفاق على أن الترجمة ليست ” La fuite des cervaux ” ، ولكن ” L?exode des competence “، أي هجرة الكفاءات. لأن الأدمغة لا تهجر الأدمغة.. لكن الكفاءة هي التي ترحل .. وبذلك يكون المقصود هو: هجرة الكفاءات. هذا هو المهم .. المهم أن عندك كفاءة لكنك لا تستغلها .
وبقيت فكرة ” Brain Drain ” إلى عام 1974 إلى أن جاء قرار لمنظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، فبدأت فكرة أخرى صرنا نسميها ” Reberbe transfer of technology ” ، ولم تعد المسألة مسألة الأدمغة أو الكفاءات، بل صارت بالصيغة التالية: ما هي نتيجة هذه الهجرة بالنسبة للإقتصاد؟ ولا داعي للخوض في التفاصيل.. وأعود إلى عام 1968 .. إن تلك الدراسة التي أنجزناها، وهذا صلب موضوعنا وهو ليس منهجية التنمية ولكن: النموذج التنموي… وأظن أن النموذج التنموي لدول العالم الثالث منذ الستينات تسبب ولا يزال، في عدة مشاكل، لأنه مبني على التقليد الأعمى بدون دراسة كافية للمناخ والبيئة والقيم التي يتطور فيها، وبدون الإهتمام بأهداف الشعوب وانعدام رؤيا للمجتمع .. وانعدام الرؤيا هو أخطر من التخلف. ولا يمكن أن تكون لنا رؤيا مجتمعية اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا .. لماذا؟ الجواب : من له الحق في أن يحتكر تكوين هذه الرؤيا ؟ إن هذه الرؤيا لن تكون حقيقية إذا لم تكن رؤيا لكل المجتمع، رؤيا بمشاركة كل فئات المجتمع، فكيف تكون رؤيا بدون تعددية ؟ وبدون حرية الرأي التامة ؟ وأقولها وأكررها : ليس في الإسلام حدود للتعبير عن الرأي.. وأتحدى أي عالم، كيفما كان، أن يعطي تفسيرا بأن الإسلام قد جاء بحدود في التعبير عن الرأي. التعبير عن الرأي مضمون ما دام الإنسان لم يمس حقا من حقوق إنسان آخر .. وهذا موجود في جميع القوانين .. إن من حق الإنسان أن يعبر عن رأيه .. وبدون ممارسة حرية التعبير لا يمكن أن نتقدم. وإن حرية الرأي انتهت في المجتمع الإسلامي بقفل باب الإجتهاد. وبدأ التدهور..  ومفهومي لباب الإجتهاد من الناحية المعاصرة هو : الحرية التامة الشاملة للرأي، لأن الإسلام لا رهبانية فيه، ولا حق لطبقة فيه، وهم العلماء، في أن يفرضوا حدا لحرية التعبير وحرية الرأي والتفكير … وهذا هو الإجتهاد الحقيقي … الإسلام يضمن حرية الرأي. وإذا جاء أحدهم وقال: أنا الشيخ الفلاني أفرض عليكم الحد من حرية الرأي، أرد عليه: أنت غير مسلم ..  ، من حقك أن تنهي عن المنكر، لكن أن تحد من حرية الرأي، هذا غير مقبول.. وأكرر : هذا النموذج التنموي سبب المشاكل كلها . فليست عندنا رؤيا .. رؤيا الطالب في المشاركة .. رؤيا حقوق الإنسان .. رؤيا التعددية .. وهناك مشاكل أخرى ناتجة عن تقليد النموذج التنموي للبلدان الصناعية .. وهي مشاكل ثلاث: 1 ) ? الأمية : فعندنا أكثر من نصف مجتمعنا أمي. والعالم العربي والإسلامي له الرقم القياسي.. ، 2 ) ? البحث العلمي .. ،  3 ) ? القيم .. وأعني أن يكون للإنسان اعتبار في مجتمعه .. وهنا أواخذ بعض المثقفين الذين نسمع منهم اليوم لغة غريبة .. إنهم يقولون : إن شعوبنا متخلفة، ومجتمعنا ليس مستعدا للديمقراطية، والجمهور جاهل.. أية ديمقراطية هذه ؟ ألم يكن الجمهور جاهلا عندما كان يحارب في الجبال من أجل الاستقلال ؟ عندما كان يموت شهداء في سبيل تحرير البلاد التي أنت يا مثقف تتصرف فيها اليوم ، سواء كنت في المغرب أو الجزائر أو تونس أو باكستان أو أندونيسيا .. عندما كان مجاهدا .. أما اليوم، وقد وصلت يا مثقف إلى الحكم، تقول:”لا.. المجتمع ليس ناضجا وليس مستعدا للديمقراطية”.
كيف يمكن أن نصل إلى عدالة ونؤسس رؤيا لمجتمع بدون هذه المشاركة وبدون معاملة شعوبنا معاملة أخرى غير العجرفة الجديدة لبعض المثقفين التابعين الذين أصبحوا مهجرين داخل بلدانهم .. ، وهذا نوع آخر من هجرة الأدمغة .. وهو أن بعض المثقفين بقوا في بلادهم وأصبحوا كأنهم جاؤوا من بلاد أخرى.. هذا مواطن من بلادك ولكن كأنه جاء من الخارج ليشتغل معك .. هذا نوع من الهجرة .. لأن هذا قد هاجر قيمه.. هاجر مناخه.. صار عنصرا لحضارة وثقافة أخرى وهو معك يقول لك: أنا منك ..، في السابق، وأنا أعرف في الحركة الوطنية، حرمة للمدرسة، سواء كانت هذه المدرسة هي “الزيتونة”أو”القرويين”.. ففي المغرب، عندما يحاول شرطي فرنسي أن يدخل إلى حرم “القرويين” تهتز البلاد كلها. و400 ألف عسكري فرنسي متمركز هنا وهناك .. البلاد تهتز لمجرد أن يحاول شرطي فرنسي واحد أن يدخل إلى مبنى القرويين.. إلى مكان له حرمته….. إلى مكان علم .    والحرم له شروط من جميع النواحي .. حرم من جهة الشرطة.. حرم من جهة السلطة .. حرم واحترام للعالم نفسه، وداخل نفسه.. فهذا مكان علم.. وهناك أشياء مباحة وما هو غير مباح.. هناك رقابة ذاتية لاحترام الغير .. هذا الحرم ليس موجودا.. ويوميا نقرأ في الصحف أن وزراء مسؤولين عن التعليم العالي يعطون تعليمات لتدخل الشرطة.
أما إذا تحدثنا عن البحث العلمي، فهذا موضوع فيه ما فيه.. ونأخذ مثلا من بلد كاليابان.. إذا أخذنا ميزانية البحث العلمي وميزانية وزارة الداخلية كلها، لأن اليابان أيضا فيها مشاكل أمنية، ولها شرطة خاصة والجيش الأحمر، نجد أن النسبة هي واحد على سبعين.. فكل دولار يذهب إلى شرطي فإن شبعين تذهب في نفس الوقت إلى البحث العلمي ولا داعي لأن أعطيكم مقارنة مع بلداننا.. ولكن دعونا نتكلم عن جانب آخر من الموضوع.. فبعضهم يقول لنا: لابد من المساعدات الفنية. أية مساعدات فنية هذه؟ تعالوا بنا إلى الأرقام.. وأقدم لكم أرقاما من فرنسا.. عن الأشخاص الذين وصل تكوينهم إلى ما فوق الدكتوراه: الرقم القياسي للمغرب وهو 650، ويأتي بعد الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا.. بعد هذه الدول العظمى يأتي المغرب بعدد 650 إطار بمستوى ما فوق الدكتوراه.. وبعد إسبانيا وإيطاليا وكندا تأتي الجزائر بنسبة 500 . وبعد بولونيا والبرازيل تأتي تونس بنسبة 450 . إن لنا 1500 على الأقل، وهو عدد لا يحصي الأشخاص الموجودين في الجامعات.. ونحن ليست لنا حتى إحائيات في هذا المضمار، ونذهب دائما إلى مكاتب الهجرة بالدول الأجنبية للحصول على أرقام.. إننا لا نعطي أية قيمة لمفكرينا وأدمغتنا ولا نتابعهم إلا من الناحية”الداخلية”.. وها قد تسأل عن فلان، فيقال لك: “نعم نعرفه، لقد وصلنا تقرير عن آخر محاضراته.. وقد قال في محاضرته ببروكسيل كذا وكذا ” عندنا هذه القدرة  لاستخدام العلوم التكنولوجيا لتابعة هؤلاء المفكرين. ولكن إذا سألت كم عندنا من الفزيائيين والكمياويين والمختصين في القانون الدولي. قيل لك:”لا ندري، وعليك الإتصال بالسفارة الفرنسية أة الإنجليزية..”
فصل من فصول كتاب: الحرب الحضارية الأولى للدكتور المهدي المنجرة عالم المستقبليات المغربي.
العرض في أصله قدم خلال ندوة دولية حول “هجرة الأدمغة” (جمعية النهضة ) الجزائر-أبريل 1991 . نشر ب:”المساء”، 26 أبريل 1991 . “الخبر”، 27 أبريل 1991 . “السلام” 25 أبريل 1991 . “الخضراء”، 10 ماي 1991 . ? horizons 25/04/1991  ، –  El moudjahid, 25/04/1991   .  ” عظيم تحياتي لكل شاكر “

‫4 تعليقات

  1. كان عليك أن تبدأ ب قراءة في كتاب أو عرض كلمة الدكتور المنجرة في ندوة
    تبدأ باسمك وتجعلنا نظن أنك الكاتب حتى نجد أنفسنا في الأخير مع نقل لمحاضرة
    من أبجديات مهنة الصحافة الالتزام بأخلاق المهنة غير ما تفعل

  2. إلى عاشور العمراوي
    إنك ذوا ثقافة عالية وعلى خلق عظيم؟
    لك مني وردة

  3. وكنت ممثلا لمنظمة اليونيسكو آنذاك، وكان مطلوبا مني أن ألعب دورا في هذا المضمار.. وأول دراسة في الموضوع hada kalam alkatib idan haito la tojado ayo ichara ila katib 2 hahahhahhaah idyolojiaaaaaa ahiiir azamanتبدأ باسمك وتجعلنا نظن أنك الكاتب حتى نجد أنفسنا في الأخير مع نقل لمحاضرة
    من أبجديات مهنة الصحافة الالتزاتبدأ باسمك وتجعلنا نظن أنك الكاتب حتى نجد أنفسنا في الأخير مع نقل لمحاضرة
    من أبجديات مهنة الصحافة الالتزام بأخلاق المهنة غير ما تفعلم بأخلاق المهنة غير ما تفعل hada ichhhar li sorat wa isam jajaja

  4. ححرق الله جدرك يا لاديني بالفطرة انت ومن تدافع عنهم وتقول انهم على خلق عظيم.ولم تقل لغير محمد صلى عليه وسلم. اتفو علي رباك ايغيور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *