ما هكذا تورد الإبل يا صيادلة القطاع العام

على خلفية المقال\البيان المنشور بجريدة الصباح ليوم الأربعاء 28 مارس
مهندس غيور
أصابني المقال المذكور بذهول شديد فرحت أقلب الصحيفة بين يدي ذات اليمين و ذات الشمال باحثا عن تاريخ صدور هذا العدد. هل هو عدد جديد صدر سنة 2012 أم عدد قديم صدر سنة 1912 وظل منسيا في رفوف أحد الأكشاك حتى استغفلني صاحبه و باعني إياه متخلصا منه؟ المقاربة بين السنتين جد مهمة، فشتان ما بين التاريخين. ففي سنة 1912 كانت فلول المستعمر تحت ذريعة الحماية تغزو مناطق المغرب النافع آتية على الأخضر و اليابس ومذيقة سكانه كل ألوان الذل و الهوان، و مرت مئة سنة تجرع فيها المغاربة مرارة الاحتلال الغاشم وذاقوا فيها لذة المقاومة والذود عن حوزة الوطن وعانقوا فيها حلاوة الاستقلال و التطلع لبناء مغرب حديث بمؤسسات عصرية. مئة سنة عانى فيها المناضلون الشرفاء ويلات سنوات الرصاص و غياهب السجون و المعتقلات لإرساء أسس الديمقراطية و حقوق الإنسان و حرية التعبير. أما في سنة 2012 فإن المغرب يعيش تجربة ديمقراطية حديثة بحكومة أتت بها صناديق اقتراع شفافة أرادها الشعب ، و تحدي إرساء مضامين دستور جديد حملته إلينا رياح التغيير والربيع العربي. في هذه السنة بالضبط تغرد علينا صحيفة خارج السرب وتسبح مضادة لرياح المرحلة وتطل علينا بمقال بيان يقطر عنصرية و تحرشا بل و إقصاء و تهميشا. مضمون هذا المقال البارز هو إهداء كل مناصب المسؤولية داخل المؤسسات الصيدلية بوزارة الصحة للصيادلة.
فما المقصود إذا بالمؤسسات الصيدلية؟ و هل هي موجودة فعلا بهذه الوزارة.؟ بكثير من الفضول نقرت الفارة اللعينة على محرك البحث غوغل باحثا عن الهيكل التنظيمي لوزارة الصحة لأفاجئ بحقيقة صادمة و هي أن هذا المرفق الحكومي لا يتوفر إطلاقا على شيء اسمه المؤسسات الصيدلية. فالهيكل التنظيمي يشير إلى عدد من المديريات خاضعة لقانون الوظيفة العمومية طبقا لمراسيم إحداثها و ليس لقانون مزاولة مهنة الصيدلة. كذلك توجد تحت وصاية هذه الوزارة العديد من المستشفيات والمستوصفات وهي على حسب علمي ليست بمؤسسات صيدلية. خلص بحثي أيضا أن الموارد البشرية التي تكون نسيج هذه الوزارة هي جد متنوعة تضم الكثير من الأطباء و الممرضين و المتصرفين و المهندسين و التقنيين والأعوان و فقط القليل من الصيادلة الذين بدؤوا يطرقوا أبواب الوظيفة العمومية لضيق ذات اليد و عدم قدرتهم على الاستثمار في مشروع صيدلية بعد النكسة التي أصابت هذه الأخيرة.
يطالب الصيادلة أيضا بتحمل مسؤولية قسم التموين ولكن لماذا يا ترى ؟ لنعرج الآن على هذا القسم للبحث عن وظيفته، فمهمته هي تموين مرافق وزارة الصحة حسب احتياجاتها بالأدوية ومواد التنظيف والكراسي والمكنسات و و و فما الداعي لوجود صيدلاني على رأس هذا القسم؟ ألسنا في حاجة لإداري خبر لغة الاقتصاد و الأرقام.؟ ثم ألم تكن على رأسه صيدلانية أقيلت مؤخرا من منصبها ألسوء تدبيرها أم لدواعي أخرى؟ لنتكلم قليلا عن هذه الأخيرة التي أثار قرار إعفاءها من طرف الوزير الحالي ثائرة جريدة الصباح و ليكونومست وبعض النقابات ولم يقعدها.
لنبدأ من تكون هاته الصيدلانية ؟ لقد ولجت هذه الموظفة حسب ما ورد إلى علمي الوظيفة العمومية سنة 2004 وبالضبط بمديرية الدواء والصيدلة لتعين سنة 2008 رئيسة مصلحة بقسم التموين التابع حسب الهيكل التنظيمي للوزارة لكتابتها العامة. ستة أشهر فقط قضتها على رأس هذه المصلحة لتعين رئيسة للقسم نفسه. فالسؤال المطروح هل تدرجت هذه السيدة ما يكفي و راكمت من التجربة المهنية و الأقدمية ما يخول لها هذا الصعود الصاروخي في مناصب المسؤولية؟ و هل ندرت و شحت الكفاءات داخل هذا القسم من الأطر الكفأة و النزيهة لنأتي بموظفة لم تتحمل قط أي منصب مسؤولية داخل مديرية الدواء و الصيدلة، التي لا علاقة لها إداريا بقسم التموين، لنسلم لها مقاليد هذا القسم الاستراتيجي و الحساس فى آن واحد فقط لأنها صيدلانية؟ ألم يسير هذا القسم من قبل من طرف مسؤولة ليست بصيدلانية بكل حزم و كفاءة و نزاهة لعدة سنوات حتى أحيلت على التقاعد؟ حسب ما ورد في الصحف أعفيت هذه الصيدلانية على خلفية الاختلالات التي عرفتها صفقة للقاحات و الملف على ما يبدو بين يدي المجلس الأعلى للحسابات ليبث فيه. إذا كانت هذه الموظفة مظلومة فلماذا لا تلجأ إلى القضاء لينصفها بدل الاختباء وراء صحف و نقابات موالية فقدت مصداقيتها. فالسؤال الذي يطرح نفسه أين كانت هاته الأبواق إبان التدبير السيء للوزيرة السابقة مع الكاتب العام للوزارة والإقالات التعسفية و التعيينات بالمظلة التي أتت على اليابس والأخضر فلا ناهي ولا منتهي عما اقترفوه من ظلم جائر على رقاب الموظفين المستضعفين فالويل لمن خالف وعصى أو ارتد أو صبأ، فعيون وآذان المكاوي في كل مصلحة من مصالح الوزارة تجول وتصول لترقب وتعاقب من هو معه ومن هو ضده؟ أين كان كل هؤلاء الآن فقط انبعثوا من رمادهم كما الفينق؟
يطالب هؤلاء الصيادلة أيضا حسب البيان، برئاسة المديريات الجهوية للصحة ومصالح مديرية الدواء والصيدلة و و و.
فلنتساءل هل الصيدلي هو المخول له وحده دونا عن غيره من الموظفين باعتلاء مناصب المسؤولية ؟ و في هذه الحالة ماذا سيكون دور باقي الموظفين من مهندسين و أطباء و ممرضين و تقنيين و متصرفين وحاملي الشهادات العليا بهذه الوزارة؟ ألتنعم فئة واحدة دون غيرها بكل الامتيازات؟ و إذا لم نعثر على صيدلي كفئ و نزيه، حتى لا تتكرر تجربة قسم التموين، هل ستظل هذه المناصب شاغرة؟ هل بهذه العقلية الحجرية و هذا التفكير الأحادي الضيق و المنغلق في آن واحد سنرقى إلى مصاف الأمم المتقدمة؟ إن ما قام به هؤلاء الصيادلة يعتبر انتهاكا سافرا لحقوق الإنسان و إجهازا على حق الموظف في العطاء و الطموح المشروع و التدرج في ميدان عمله و كذا منزلقا خطيرا يضرب بعمق مضامين الدستور الجديد الذي يحظر ويكافح كل أشكال التمييز بسبب الجنس أو اللون أو المعتقد أو الثقافة أو الانتماء الاجتماعي أو الجهوي أو اللغة أو الإعاقة أو أي وضع شخصي مهما كان؛ منزلق يزرع الفتنة بين مختلف الفئات بوزارة الصحة ويزعزع و يهدد الاستقرار و الأمن داخل مرفق عمومي حساس؛ منزلق ستكون له انعكاسات جد وخيمة على كل المستفيدين من خدمات هاته الوزارة من مواطنين و مستثمرين و فاعلين اقتصاديين. لذا من الواجب التنديد بالنقابة والصحافة التي تؤطر هذا التوجه الانقسامي بين صفوف الشغيلة الصحية ومناهضة هذا الابارتايد و محاسبة، طبقا للدستور و للقوانين الجاري بها العمل، المسؤولين عن هاته التجاوزات الخطيرة و تشكيل لجنة للبحث و التقصي عن الجهة التي تقف وتحرض على التمييز وإشعال فتيل الفتنة بين موظفي وزارة الصحة، بدل روح المنافسة الشريفة؛ و في هاته الفترة بالذات التي دشن فيها السيد الوردي ورشة إصلاح هذا المرفق الحيوي و الاستراتيجي الهام .