متاهات في غابة النفوس – قلعة المظالم

بقلم: صغير سعيد
مربي ومرشد اجتماعي بألمانيا
saghir@web.de
عند قدم جبل شامخ على جانب الطريق. بيت متواضع من الحجر والتراب والخشب. يتجلى من بعيد كأنه نمى من الأرض. يشبه في لونه البني الفاتح مرتفعات البسيطة. بأبواب ونوافذ صغيرة في لون أزرق داكن مزينة بإطار أبيض ناصع. يحميه حاجز من صبار شائك وسميك، لا يفتر إلا عند مدخله. أشجار من زيتون وخروب دائمة الإخضرار، تترائى أيام الصيف، كأنها واحة صغيرة في صحراء قاحلة. كلبان من فصيلة «بُونَخَّالْ» يحرسان هذه البقعه، فلا حظ لغريب في التسلل إلى داخلها دون اشعار أهل البيت بالليل او بالنهار.
الكلبة الغريبة «قَزُّو» اتخذت من حاجز الصبار الكثيف مخبئا لها. الظاهر أن الكلبان «عسَّاسْ» وسْبَعْ الليل» تفهما موقفها وتعاطفا معها، ثم منحاها حق اللّجوء لأسباب إنسانية. -عفوا حيوانية-. أما صاحب البيت عم حدّو فقد وقف لقزّو بالمرصاد. قرر طردها، دون أن يسأل نفسه، ولو مرة واحدة، عن الأسباب التي تقف وراء هذا الإستعطاف الحيواني المريب. ضن عم حدّو أن من حقه طرد هذه المخلوقة التي تسلطت على بيته، مهددة استقرار الأسرة. إنها تزرع الخوف والرعب بين الصغار، وتهدد أمن الدواجن التي ألفت العيش هنا في أمان. حاول طردها بقذفها بوابل من الأحجار، التي كانت تتفادى شرها بدخولها في الجحر الذي اتخذته مسكنا لها، في عمق مستعمرتها الصغيرة داخل نبات الصبار. لم يستسغ عم حدّو هذه الوقاحة وهذا التسلط على مملكته من طرف الدخيلة والعدوة اللّذوذة قزّو. استعان بجاره عباس الذي يملك السلاح، ليخلصه من هذه المصيبة التى ألمت به. ترصد عباس حركات المسكينة قزّو. هو الصياد الماهر الذي يحسن القنص، ويصيب الهدف مهما كان دقيقا. عباس لم يفكر ولو ثانية واحدة في مصير قزّو، ولم يراجع نفسه، عن الدافع الحقيقي لقتلها. أهي رغبة في اشباع نزوة القتل والشعور بالتفوق على خلق الله؟ أم هو مجرد وقوف إلى جانب جاره، لينقذه من هذه الأجنبية التي اتخذت جانباً من بستانه مسكنا لها؟
خرجت المسكينة قزّو من جحرها، بعد أن إشتدّ بها العطش، بسبب الحر القاتل، في هذا اليوم الصيفي الجميل. خرجت لتشرب من يد عباس القاسي، شربة لن تظمأ بعدها أبدا. رصاصة صوبها إلى رأسها أردتها في الحين جثة هامدة. ما أسهل أن تقتل يا عباس، ولكن من أعطاك الحق في اطفاء شعلة حياة صاغتها مشيئة ربانية؟ تمتع الآن بالمنظر الجميل لجثة قزّو، وهي غارقة في دمها أيها البطل القبيح. إنك تذكرالناس بالتصفيات الجسدية لدى الشعوب البدائية. كما تذكرهم بالهراوات التي تهوى على رؤوس المناضلين من أجل الحرية والكرامة في كل بقاع العالم. هراوات أو ربما بنادق «تفرشخ» رؤوس شباب لا يطالبون إلا بلقمة خبز وجرعة ماء… هرع «عسَّاسْ» و«سْبَعْ الليل» على وجه السرعة إلى عين المكان، ليعاينوا هذه البشاعة، التي صدرت من أناس يدعون التحضر. تعجبوا لكمية العنف وضخامة الكراهية التي تصدر من أناس قساة يدعون التدين. إقترب الإثنان من جثة قزو بأنفيهما، ليشما رائحة «الحكرة» والمنية ودم ممزوج بالتراب، يشبه في رائحته دم ضحايا حوادث السير، الذين يتساقطون كأوراق الخريف، لتختلط دماؤهم بالثرى، على طرق لا تصلح حتي أن تسير فوقها الجمال.
نُقلت جثة قزّو إلى مكان غير بعيد عن الدار. مشى معها «عسَّاسْ» و«سْبَعْ الليل» في موكب جنائزي رهيب. ألقيا عليها آخر نظرة، مشيعين إياها في صمت وحزن وارتباك. سمع عم حدّو بعد حين، عوائا رهيبا ينبعث من المكان الذي كانت قزّو تاوي إليه. عواء واستنجاد من جِراءٍ لم ترى النور بعد. ضاع حنان أمهم وضاع معها الغذاء والدفء والأمان. تبين لعم حدّو هول الجريمة البشعة النكراء التي كان بطلاً لها. الظلم الذي نشره في الأرض يتصاعد كالبخار إلى السماء، مع استنجاد هذه الجراء البريئة، في اتجاه الأسماع الإلهية. السماء ألفت سماع تأَوهات المستضعفين واستنجادات الأطفال المتخلى عنهم، وأطفال الأسرى المظلومين وأيتام الشهداء. ما أقساك يا عباس وما أجهلك يا حدو….لقد تبين للجميع، أن غريزة الأمومة هي التي جعلت قزّو تُلقي بنفسها إلى التهلكة. تعذر عليها الهروب، لأنها أبت أن تترك فلذات كبدها عرضة للضياع. لم يخطر ببالها أن الإنسان قادر على تصفيتها ببرودة أعصاب، تاركة مجموعة جِراءٍ صغيرة لا حول لهم ولا قوة، ولا ذنب لهم إلا أن أمهم جائها المخاض بالقرب من هذا المكان.
دام حزن «عَسَّاسْ» و«سْبَعْ الليل» لمدة طويلة.. شبح الظلم الذي ذاقت قزّو وصغارها مرارته، لم يفارقهما ولو للحظة. قزّو وصغارها شهداء هذه الرّقعة الأرضية. وَدَّ عَسَّاسْ تكريم هؤلاء الشهداء. تشاور مع رفيقه سْبَعْ الليل، فإتفقا على تنصيب صخرة كبيرة على جنب الطريق نقشوا عليها بخط عربي مبين «قلعة المظالم».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *