مدينتي أشباح وأرواح

بقلم:ذ.ميلود المعبيشtaachich-300x267

صِرْتُ أحدق إلى الفضاء من نافذة نفسي، فرأيت الزمان يتراكض ويتدحرج على نفسه في سلسلة لا تنقضي. استوقفته قليلا حتى انفض الغبار على مدينتي، وأصف ما علق بها من شخوص وأطلال.

مدينتي تسكن شعاب الوادي ومشدودة إلى أوتاد جبلية تحيط بها من كل مكان.هي أشبه بفوهة بركان نحتها الزمن الجيولوجي الغابر. يجثو على صدر مدينتي فريقين من البشر؛فريق أشبه بالأشباح والأرواح، وفريق تقرأ على صفحات وجوههم تقاسيم الحيرة والتيه.

تحت هدأة الليل ،أرسل القمر خيوطا ذهبية أنارت المكان من كل جانب، كشفت المستور ونظَّمت المنثور في عقد متلألىء وشح عنق مدينتي فأصبحت كالعروس؛ لكن بدون عريس.

صعدت رَبْوة، واصطحبت معي منظاري المزدوج، وبدأت أدقق في كل كائنة من مدينتي، تارة بعيني المجردة، وتارة أنظر إليها من خلال النبش في ذاكرتي، لعلي أعثر على بقايا كنوزها التي دُفِنت على جنبات الوادي أو تحت المجالس المنتخبة أو في قرارات أنفس منسية.

أخبرني أهلي بالأمس، أن مدينتي كانت قرية هادئة، يسكنها أناس بسطاء تجمعهم خيوط تعاون دقيقة كميثاق غليظ يسمى باللهجة المحلية “ثويزا” على مدار العام، ويفرشون الحصير ملتصقة بالأرض؛ لأن فلسفتهم قائمة على العودة إلى الأصل، وكأن حال لسانهم يقول “أمنا الأرض”. كانت مجالسهم خالية من معاقرة كؤوس السياسة التافهة، السياسة عندهم لغة الأشباح والأرواح وإذا سمعوها هرعوا إلى وضع القطن في آذانهم مخافة أن تَخْدش سريرتهم، وتشتت جمعهم.

يؤمنون بأنه إذا خُدِشت الطبيعة حلت محلها الرذيلة.هي فلسفة أجدادي قائمة على الواقعية والمحبة لا على المكر والخديعة. كانوا يحرثون الأرض فترى خطوطا هندسية مستقيمة تغري الناظرين، فتفوح منها رائحة العطر المنبعثة من النرجس والياسمين وشقائق النعمان؛ أما الآن فقد صارت مبلطة لا رائحة إلا رائحة الإسمنت والزفت ومخلفات الوادي الحار الذي أصبح شريانا يضُخُّ صبيبه نحو الساكنة فيُمِدها بحياة تُخَرِّجُ أفواجا من الديدان والحشرات وبعض الكائنات التي لا تُرى بالعين.

بالأمس كانت قريتي حدائق وبساتين نقشها أهلها على جنبات الأودية، فترى الأشجار متدلية تحت ثقل ثمراتها فيَحْلُبها المار حلبا. كانت بقرة حلوب، أما الآن فقد نضب ضرعها.

عدت من الأمس إلى اليوم، تربعت على الربوة وقد بسط الليل جناحه على مدينتي التي أصبحت أكواما من البنايات، فلا ترى إلا السطوح والعمارات والصحون المقعرة التي مالت على نفسها كما تتدلى الأفعى من أعلى الغصن. أطلقت عنان مِنظاري فوقع على أناس لَيْلِيِّينَ أسفل الوادي؛ لكنهم أشبه بالأشباح والأرواح، يتموجون في الظلام تموجات عالية كموجة تسونامي، كما استطالت ظلالهم تحت نور القمر وهم يتخبطون بأيديهم كأنهم يقتسمون غنائم نفيسة. بين التردد في الذهاب والحرص على مدينتي، قررت أن أنزل إليهم إلى سفح الوادي.

تركت المنظار في مكانه، وتسللت إليهم انسلالة الحية الرقطاء؛ لأنني أمين على مدينتي من قطَّاع الطرق. فلما دنوت، استرقت السمع، فإذا هي همسات تشبه همسة اللص في أذن صاحبه، فيصلني صداها.

انكشفت أقنعة هؤلاء الأشباح تحت نور القمر وسمعت همسهم اللَّيْلِيَّ بفضل صدى الوادي، وقلت في نفسي: الطبيعة تنتفض ضدهم قبل الإنسان. كانوا يتحدثون عن السياسة والاقتلاع والحصار… وجهت إليهم حنجرتي بعد أن أحسست بدفعة قوية من أمي الطبيعة: أيها الليليون، يا خَدَمَة الأبالسة، إني أسمعكم تارة تقولون اللعبة السياسة فتنسبونها إلى اللعبة وتارة تتفوهون بها حافية بدون نسب، كلماتكم ألغام وتمتمات سرعان ماتتبخر أعمدة دخانية في الفضاء، ثم إن السياسة تمارس في واضحة النهار لا في جوف الليل. أهلي وأجدادي كانت سياستهم حقول وبساتين وأشجار مثمرة تمد أعناقها بسخاء إلى البسطاء والضعفاء، سياستهم سواقي تندفع مسرعة في خط متصل لتروي العباد والبلاد، سياستهم واحدة لا سياسات، كلام واضح لا تمتمات، جد لا لعب ولعبة، زرع وقمح وبطاطس لا ألغام. أجدادي فهموا السياسة بالفطرة والسليقة.

أيها الأشباح ويا أيتها الأرواح:تقتلعون الأشجار وتزرعون الأحجار، تسكنون الخراب وتنتشرون في الضباب، وتضعون خيرات مدينتي تحت القباب.حكاية الحصار رمز الإبتكار واستمطار مقومات الإنتصار، وإعادة اكتشاف المحراث الذي يجره الحمار، وإعادة اكتشاف سراج الزيت في عصر الإضاءة والأنوار.الحصار امتحان عسير في واضحة النهار، قدر مكتوب على جبين الأحرار… أيها الليليون: قبل أن أكمل كلامي، تكلم الوادي لغة المطر والبرق ففاض المكان، وانتفخت عروق الأرض محدثة زلزلة عنيفة هزت كيان الأشباح، تهدمت الصروح عن أصولها فجمع الليل خيوطه إلى الأبد، وأشرقت الشمس وأزهر المكان بعدما عاد الربيع في جو بديع. أما أنا فقد عدت إلى ربوتي في يوميات صاحب منظار وأنا أنشد:

انتفضت الطبيعة انتفاضة زعزاعة

اقتلعت الأشباح من كل قلعة

تَزَيَّنَت مدينتي بِحُلة بديعة

أََحْرُسها بمنظاري حراسة الوديعة

‫3 تعليقات

  1. سبحان الله وكانك يا اخي الكريم فتحت ادراج مخيلتي وعمدت الى ورق بنفسجي اللون (هو لي ملاذ وبلسم لجروحي الجأ اليه بين الفينة والاخرى لانسى مرارة و
    اقعي) فتلوت منه هذه السطور.
    ساهحك الله ذكرتني بارض تحرث وشقائق نعمان تزهر ذكرتني ببساطة كانت قمة الرقي وطفولة كانت بعفويتها وبرائتها حقا طفولة.الله,الله….اني لارى ابي يدفع المحراث في نشاط وهو يردد اذكاره اليومية وانا ورائه ابحث في التراب النقي عن لعبة ربما اخفاها الدهر هناك او ربما عن شبشب توارى يوما عن الانظار,اراقب وفود اسراب الطيورالجميلة واحبس انفاسي كي لا اقاطعها وهي تؤدي سمفونيتها الرائعة.اراني اصنع هن شقائق النعمان اكليلا اتوج به راسي كاميرة في عالم الاحلام والخيال
    آه آه يازمن الخير والبركة,يازمن العفوية والبساطة,يازمن الحب والعطاء
    كم احن الى اشجار التين والزيتون,كم اتلهف شوقا الى جداول المياه الصافية وخريرها الهامس الخجول……..واكثر ما احن اليه جلستنا المسائية حول ابي (بعد ان تعد امي صينية الشاي وتحضر ماتيسر من الفواكه الجافة)ليسرد لنا حكاية من حكاياته الخياليةاو يبهرنا بحل لغز لم نتوصل اليه متباهيا بفطانته وذكائه.لكن احيانا كان يحكي عن طفولته القاسية وما عاناه هن اجل لقمة العيش فاحس بحزن عميق في قلبي اعبر عنه اذااويت الى الفراش بقطرات دمع تنساب على وسادتي في صمت خجلا ان يسمعني احد,ولا يسليني بعدذلك الا طلوع فجر جديد فانغمس في لعبة التاج والاميرةواطير بعيدا في سماءالبراءة باجنحة بنفسجية اللون………..
    شكرا جزيلا ايها الاخ الحر ان عيشتني لحظات من الزمن الذهبي.

  2. جميل ان تكتب وتعبر بهذه العواطف الجياشة والاحاسيس الراقية وانت تحن الى ماضي مدينتك الجميل والى زمن البساطة والايخاء في تلك القرية الهادئة والتي كان يسكنها كما تفضلت أناس بسطاء تجمعهم خيوط تعاون دقيقة كميثاق غليظ يسمى باللهجة المحلية ?ثويزا? على مدار العام، ويفرشون الحصير ملتصقة بالأرض؛ لأن فلسفتهم قائمة على العودة إلى الأصل، وكأن حال لسانهم يقول ?أمنا الأرض?….
    نعم هذا هو حالنا, الان تعبد كل شيئ وتعقد وقلما تجد اناسا بتلك الخصال النبيلة…الكل اصبح يجري ويلهث وراء السياسة لعله يفوز فيغتنم الفرصة….اشخاص من بني جلدتنا ما كنت اتصور يوما ان يبيعوا ضمائرهم بهذا الشكل المهين,…ولانهم بعيدين كل البعد عن ميدان الفضيلة والتحلي بروح المسؤولية, فلا غرابة ان تنفجر قنوات الواد الحار بعقر المدينة وتتحول بساتينها وحدائقها الى مجاري كريهة لا تطاق رائحتها….

    ما اثار انتباهي ايضا هو تعليق اختنا سلمى الجميل وهي تنقلنا باسلوبها الراقي الى قريتها والذي ذكرني بمنزلنا في قرية صغيرة مجاورة لقريةاركمان , وقطة جدي رحمه الله باسطة ضراعيها عند باب بيته وكانه وعدها بشيئ وصوت الحمام عند الظهيرة يرافقك ويجالسك على مائدة الغذاء ………….
    كلنا شوق الى ذلك الزمن البريئ والنظيف ولكن ماذا عسانا ان نفعل???
    هذه سنة الله ولا تبديل لها…
    مع الاحترام والتقدير

  3. اسرني مقالك الذي تناولت فيه قريتك الصغيرة والتي كانت بالامس القريب قرية هادئةسكانها بسطاء يتعاونون فيما بينهم.لكن للاسف الشديد,غفلت امرا لا يغفل الا من جاهل او متنكر لهويته فكلمة ثويزا ليست باللهجة المحلية ولا يوجد اصلا شيءمن هذا القبيل.قل اللغة الامازيغية ان كنت مربي الاجيال بامانة.فتلامذك امازيغ فهل بينهم لهجات محلية………..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *