منبر الرأي مع عبد الحميد جماهري: في النقاش حول الريف الكبير

عبد الحميد جماهري: مدير تحرير جريدة الاتحاد الاشتراكي رجل تعليم سابق بالناظور
بدأت فكرة الريف الكبير تجد حضورها في الفضاء المؤسساتي للدولة المغربية، وبدأت أيضا تفرض نفسها في النقاش الدائر في الفضاء العمومي، يتناولها كل من زاويته..
الفكرة تهم مقترح تقدمت به جمعية الريف الكبير ، التي يرأسها الأستاذ والباحث محمد الشامي، المعروف بمواقفه المتزنة والثابتة من قضايا بلاده، وهو منخرط حتى النخاع في بناء الدولة الديموقراطية التعددية القوية والموحدة، منذ كان شابا في صفوف الحركة التقدمية،
وهو بحد ذاته، في تقدير العبد الضعيف لربه وشعبه، عربون ثقة وعربون طمأنينة، لفتح هذا النقاش.
الفكرة تحمل التاريخ والجعرافيا في طياتها، كما تحمل في الوقت ذاته المباديء العامة في دولة اليوم، وفي السيادة اليوم، سواء من حيث التوجه الجهوي أو من حيث ترسيخ اللامركزية واللاتمركز ، كما ورد في التجربة المغربية، وكما يريد لها الدستور الجديد أن تكون.
في التاريخ والجغرافيا، فكرة الريف الكبير فضاء حيويا ، متوسطيا، يمتد من الحدود الجزائرية الى طنجة، وتستند إلى ذاكرة الريف وامتدادته الحيوية في تاونات وتازة، وهنا تعطي المقترحات إمكانية واسعة لكي تتم مناقشتها.
وفي تقديرنا، فإن الفكرة، لا يمكن أن يحكم عليها من مطلق التوزان السياسوي، أو حتى المؤسساتي المباشر
، ونقصد به سحب التوزان السياسي على التوازن الجغرافي والتاريخي للمنطقة ، أو منطق الحذر الإداري، برسم السقف الذي يجب أن تتحرك تحته المبادرات المجتمعية، بل يجب أن تكون في حقيقة الأمر تعبيرا عن حيوية المجتمع..
كل الأشياء التي حصل فيها توافق وطني كبير، بعيدا عن التوجيه والتشريع والترتيبات السياسية، كانت طاقة تعبوية ومحركا إيجابيا في صناعة التاريخ الوطني.
من المفيد تاريخيا ، ولأسباب راهنة ، أن يكون النقاش عاما ، بدون محرمات، في قضية تطرح نفسها في سياق وطني وإقليمي له العديد من الميزات، ولعل أهما
1 – الجهوية دخلت القاموس السياسي الوطني ، لكي تستقر فيه، وما زالت كل الدول، حتى التي استطاعت أن تحدد بشكل نهائي قواعد اللعب الانتخابية خصوصا، والديموقراطية عموما، تعود إلى النقاش حول التقطيع الجهوي- فرنسا- وإلى تأثير ذلك على مسارات تصليب الديموقراطية اوالمناهج الوطنية.
2 – يتزامن الطرح الحالي لقضية الريف الكبير بتنوعه اللغوي – الثقافي والتاريخي والإثني مع الطرح المغربي للحكم الذاتي، وفي تقديرنا، فإن نقاشا حول الموضوع، قبل الحسم فيه، سيقوي من صدقية ومشروعية الطرح المغربي، في الصحراء الوطنية، فالمضمر في مناقشة القضية هو أن المغرب يعطي عن نفسه صورة البلاد التي تطرح كل الاحتمالات الترابية والسياسية والديموقراطية، وحاضر في أراضيه غير المتنازع حولها، على أن يبني نموذجا جديدا وجد متقدم للجهوية، وهو ما يضيف إلى قوته الاقتراحية.
3 – الفكرة المتضمنة في الريف الكبير، لا يمكن أن تناقش إلا كتقوية للقدرة المؤسساتية للدولة، فالدولة هنا قادرة على أن تتنازل عن مركزيتها الضاعطة لفائدة قوة مؤسساتية للجهة في استيعاب كبير من حدود البر إلى حدود البحر.
4 – ليس لنا أن نثبت أننا قادرون على صناعة تاريخنا الجديد، من زاوية التقطيع الجهوي، فقد دخلناه ونتابع العمل فيه، بل الذي سيثبته النقاش المتحرر من كل محرمات ومن كل مضمرات ، هو أن المغرب لا يحدد التخوف سقف تفكيره ، بل الذي يحددها هو التشوف إلى مستقبل أفضل، فأفضل..
5 – ليس النقاش بحد ذاته موقفا، بل هو مقدمة لبلورة موقف، وسيكون من المفيد للبلاد أن تدخل هذا النقاش لكي نحدد فيه أرضية وطنية مشتركة على قاعدة الثوابت الوطنية المكرسة تاريخيا ومجتمعيا..الدين الإسلامي، الملكية والوحدة الترابية.