هذا الانحراف الذي تهرب فيه ذواتنا

بقلم : محمد بوتخريط / هولندا
(الكتابة هدم لكل صوت، ولكل أصل، هي هذا الحياد، وهذا الانحراف الذي تهرب فيه ذواتنا، هي السواد والبياض الذي تتيه فيه كل هوية بدءاً بهوية الجسد الذي يكتب) (رولان بارت).
يقال أن التاريخ في وإلى تقدم دائماً، وانه لا يعود بظهره للوراء، وان اليوم أفضل من الأمس، والغد أفضل من اليوم، فهل هذا المعيار حقا صالحا للتعامل مع الواقع الراهن؟
تبادر إلى ذهني هذا السؤال وأنا أتصفح جرائد اليوم،، لتستوقفني عناوين متكررة اعتدناها..

المغادرة الطوعية
“…هذا ولم تؤد عملية المغادرة الطوعية ما كان مؤملا منها، من تعويض بموظفين ومستخدمين جدد، حسب الترويج الذي صاحب العملية حينه، أما أغلب الجماعات المحلية، والتي كان يمكن أن تكون أهم مستثمر ومشغل في البلاد، فإنها بدورها تعيش أزمات متفاوتة حسب مداخيل كل واحدة منها، نظرا لسوء التسيير…”

“ممثل مصري (أحمد السقا) تحمل 80% من تكاليف رحلة علاج ممثل آخر (طلعت زكريا) في فرنسا، والباقي تحملته نقابة الممثلين.”

ما أثار انتباهي أكثر (طبعا إضافة إلى الحالة الصحية لهذا الفنان) هو حالة أخرى.. حالة أصبحت تقريبا شبه ملغية، إن لم تكن ملغية تماما من قاموس العلاقات الإنسانية..، في ظل علاقة منافسة شابتها وتشوبها الأنانية، وسياسة “حيد على راسي وشقف” وقانون “… لأنجو أنا وبعدي الطوفان”

علاقة تنهش الحياء وتدمر القيم، وترسخ الوقاحة وتهدم الأخلاق…

أين سياسة التعاون والمؤازرة.. أين ثويزا.. أين هي كل القيم القديمة الجميلة.. أصبح كل شيء الآن محكوم بقانون الأنا.. ولعبة المصالح..

تذكرت فنانينا… الفقراء منهم والأغنياء أقصد طبعا غنى الإنتاج.. تذكرت الأحياء منهم والأموات.. لا فرق.
فذكرى الوفاة تمر صامتة باهتة، في غياب أي اهتمام لا من الأشخاص ولا المؤسسات لحمل أسمائهم والاعتناء بتراثهم، مع أنه إبان حياتهم يملئون الدنيا ويشغلون الناس كما قيل قديما عن الشاعر أبي الطيب المتنبي «ملأ الدنيا وشغل الناس»
كتاب، شعراء، فنانون، و، و، و… يهانون في حياتهم “ويكرمون” بعد مماتهم..

توقفت كثيرا عند المعطلين…
طلبة معطلون.. يهانون ويقمعون في حياتهم الدراسية / الجامعية…و “يعطلون” بعد التخرج..

هي السياسة.. ولكن.. السياسة هي أيضا فن.. فهل سنرى يوما ما هذا الفن بأجمل تجلياته، كالإسراع في إصدار قانون تنظيم النقابات منها التي للطلبة قبل وبعد البطالة، لكي نحفظ حقوق المعطلين ونكرمها فيستمرون قادرين على العطاء والإبداع.

مرضى معوزين في المنازل والشوارع والمستشفيات داخل زقاق غارق في الظلام… يستنجدون..
معطلون في كل الأقاليم.. في الحسيمة وفي بني وليشك.. وزايو والناظور.. يناضلون، يعتصمون.. ويضربون عن الطعام..
ثم يُضربون ويُقمعون ويُسجنون.

إضافة إلى نظرة المجتمع للمعطل، التي يشوبها الإقصاء أو بالأحرى السادية المفرطة، أمام المعاناة النفسية والاجتماعية الصعبة للمعطل، في وطن لا يعترف بأبنائه الذين قضوا زهرة شبابهم في التحصيل.
أين الوعود بالتشغيل بعد التخرج..
أين قانون الشغل..
أين قانون استقلال القضاء وأين قانون النشر الذي طلبه الصحفيون وأين قانون الأحزاب الذي تريده الساحة السياسية.. لاشيء.

عنف وضرب وسجن واعتقال وكذب في تلفزيون الحكومة وأخواتها وفى صحفها.. وجرائدها..

ولكن رغم كل هذا وذاك.. لم يتمكنوا من قتل الإرادة فيهم.. فقط لأن الإرادة لن تموت ولأن الإيمان لم ولن ينكسر..

لهذا وجب/لزاما ذلك التضامن الغائب أحيانا لنتقاسم معهم هذا الشرف وهذا الإيمان كما تقاسمنا في وقت ما وما زلنا نتقاسم.. المعاناة معا.. وإن كانت تختلف..
وهذا يقتضي مشاركة وإشراك الجميع، ونبذ كل أشكال الوصايات المختلفة، والتفكير الجماعي في هذه القضايا المصيرية، والضرب بقوة على يد المفسدين والأنانيين وأصحاب المصالح الضيقة.
وإلا..
فأين قوة الحياة واستمرارها وأبدية العلاقة مع الأشياء والطبيعة ؟
أين كل هذا في هذا العالم المليء بالتيارات والتناقضات الفكرية والفلسفات العقلية والنظريات العلمية وشبكات وأجهزة الاتصالات المحلية والعالمية؟ والتي جعلت العالم كله مثل قرية صغيره متصلة الجوانب.. ولكن أيضا مختلفة المصالح.. والإيديولوجيات..

لنتعلم من تجارب مضت ومن التاريخ.. سياسة التضامن.. سياسة ثويزا..

فنمو الشخصية يكمن في التخلص من الانفرادية والذاتية والتلاحم مع الآخرين على قول الفيلسوف : برد يايف : “إن اشر أنواع العبودية هي استعباد الإنسان لنفسه وتقوقعه في الأنا المغلقة ودورانه حول ذاته الميتة” وفي هذا المكان وغيره يجب أن يتساوى الجميع.. لا مكان لمجتمع “الوجهيات” ولا الطبقات، عليا ووسطى ودنيا.. وحتى لا نرى مرة أخرى هذا العدد الهائل من المعطلين، أصحاب الشواهد والدبلومات المختلفة، وقد أكلت من عمرهم البطالة الشيء الكثير، يدفعون إلى حافة الإفلاس الاجتماعي رغم ما حصلوه، و رغم كل الإنتظارات التي كانت مؤملة من خلال تعليمهم.

فعلى مسؤولي هذا البلد الجميل أن يفهموا هذا جيدا..
فعندما لا يفهم المسؤول سؤال المعطل حريٌّ بهما إذن تبادل الأدوار..

إلى ذلك الحين.. لنترقب ذلك البريق القادم هناك من الأعماق السحيقة يشتد لمعاناً.. يومض.. ويحاول كشف الأسرار.
فليس هناك ما يخدش صمت الفجر.. سوى نباح كلاب بعيدة… تريد لقمم الجبال أن تغادر أماكنها إلى الهاوية، وتنحني..

فتحية لكل معطل، لا يجد في جيبه ما تحصي أنامله، يعيش مرهقا، ينتظر، وتختلط عليه الأوقات… في ظل بطالة تشكل أحد الأورام الخبيثة التي تؤلم الذات المغربية بل كذلك.. تحرج القائمين على البلد… دوليا.

وللحديث بقية…

‫6 تعليقات

  1. anta ila maf7amt walou sir ta9ra. ra7 mazal alhal walhadit ya9oul otlobo al 3ilma min alma7di ila allahdi .. iwa tani 7adi maf7amti7ach .. iwa sir atnabba9.. nachkor si mohammad 3la 7adi7i almawadi3 al9iyyima wanatamanna la7ou mazidan min atta allou9. alyaznasni alhor rotterdam

  2. aaah 9aa3 maf7amtou walou ..iwa sa7la sirou latbib yajri likom 3amaliya jirahiya 3la arras yamkan ra7 at3ammar likoum balbisar…haaa..hahahahaaaaa.. alyaznasni alhor rotterdam.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *