أولوية الشأن العام

بقلم : عبد الحفيظ الزياني
1

لقد أصبحنا نعيش في زمنٍ لم تعد للمشاريع والرؤى الوطنية الكبرى أية أفاق ، انعدمت المقاييس، وتشوهت المفاهيم، وبات من الضروري أن يرجع الجميع إلى االمسلمات والبديهيات خوفا من تحول العاملين بالشأن العام ، إلى نخبة بعيدة عن الشعب الذي يدعون حل قضاياه الكبرى من خلال الاحترافية في العمل السياسي.
قد يعتقد البعض اليوم أن العمل السياسي عبارة عن هرطقات، وأن من يحترفونه يخفون من وراء عبارات مصالحهم الضيقة يسعون فقط لتحقيقها، أو ليسوا عدا نخبة تهوى اللعب بالمصطلحات الغامضة و الفضفاضة. إن مثل هؤلاء موجودون فعلا، وكثيراً ما تبرز حالات ريع سياسي تؤكد بالملموس مثل تلك القناعات بل تكرسها .
إن الشأن العام هو قطب رحى المجتمعات، و القاسم المشترك بين كل الأشياء الاجتماعية والفردية، وفيه تكمن قوة المجتمعات وضعفها،مما يجعلها في أمس الحاجة إلى حركة سياسية تملك تصوراً وبرنامجاً ومشروعاً تستمده من قضايا الشعب و ملفاته الكبرى،بل تعنى بالحاجيات الضرورية ،و ليست التنمية سوى شعبة من شعبه .
فالشأن السياسي هم الجميع ، بل كل ما يمس الناس و يدخل ضمن اهتماماتهم لا مجرد منتدى خاص لمن رغبوا في حل مشاكلهم الشخصية كما يظن البعض.
و تفاديا للخلط الذي قد يسقطنا في متاهات يصعب بالملموس الخروج منها ، فإن العمل العام ليس عملاً خيرياً. فالعمل الخيري له أهله ، لكن تحول العمل السياسي إلى عمل خيري ، يشتت الجهود عن العمل السياسي الحقيقي لتغيير الواقع و يفرغه من دلالاته. إن القوى السياسية التي تتحمل عبء إنشاء مثل تلك المبادرات لتقديم الخدمات الاجتماعية والخيرية تصبح أحياناً عرقلة حقيقية عليها ، حتى و لو كانت تجني منها المصداقية السياسية،فقط لأن بعض الناس لا يدركون أن وسيلة إعلامية أو حركة سياسية أو نشاط مقاوم أو فكري أو ثقافي أقدر بكثير على تغيير الواقع وحل إشكالاته من إنشاء جمعية خيرية، وأحق بالدعم مئات المرات من النشاط الجمعوي.
أكيد أن ثقافة السعي لتحقيق المنفعة الذاتية ، هي من دفعت بفئة عريضة من الشباب إلى العزوف و الابتعاد عن الشأن العام،مادامت ممارسة السياسة قد تصبح نقمة وعبئا على صاحبه، قد يجر عليه البلاء الشديد ، في زمن تكرس فيه نمط الحياة الفردية و سادت و تجدرت قيم الانغماس في الذات، بعيداً عن الشأن العام، بأسلوب هروبي يصبح هم من يلجأ إليه للعيش في أمان أخذا بالبيت الشعري للمتنبي :
ذو العلم يشقى في النعيم بعلمه *** و أخو الجهالة في الشقاوة ينعم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *