صادق في المدينة – الجزء الأول

بقلم: صغير سعيد
saghir@web.de
أصيب صادق بمرض طفيف في معدته،. اضطر معه إلى مغادرة الدوار في اتجاه المدينة الكبيرة. زيارة الطبيب فرصة ذهبية للخروج من الدوار لاكتشاف أشياء وحوافز جديدة. عالم جديد وغريب في انتظار صادق، الذي لم يغادر مسقط رأسه بعد. “صادق إِخَصْ أَثِزَرْ وَضْبيبْ أَذِخَمْ مَيَنْجَراسْ” = “يجب عرض صادق على الطبيب قصد كشف ما يعاني منه” تقول الأم مخاطبة الأب بنبرة حادة توحي بجدية الموقف. وافق الأب على الذهاب غداً مع صادق لزيارة الطبيب. قررا أن يستيقظا مبكراً، بعدما اتفق مع صاحب السيارة التي سيسافرون على متنها في اتجاه المدينة البعيدة. أرهق أباه بكثرة الأسئلة والاستفسارات. ليلة ليست كباقي الليالي، نسي فيها صادق المرض والألم، كأن هذا القرار من عند أمه الحنونة، نزل كرحمة إلهية من السماء، شُفيَ بها صادق بمعجزة. انشغل طول الليل في تخيل الطريق الطويلة التي سيقطعها على متن السيارة المريحة. حاول أن يؤسس صورة للمدينة في مخيلته الصغيرة، مستعينا بخرافات جدته العزيزة.
في الصباح استيقظ صادق بعد ليلة فيها من السهر أكثر من الراحة والنوم. ألم معدته اندثر مع شدة الفرح والانفعال والترقب والفضول. ود لو استطاع إشعار أمه بعافيته، ليريحها من تخوفها على صحته. لم يفعل خوفا من إلغاء هذه الرحلة الكبرى في اتجاه العالم المجهول. حضّرت الأم وجبة الفطور التي لم يتناول منها إلا قليلا ليوهمهم ببقاء المرض المزعوم. انطلق رفقة أبيه في اتجاه الطريق التي تمر بها السيارة. مرّوا بجانب الكتّاب فتظاهر صادق بحسرة لعدم تمكنه اليوم من زيارة الكتّاب. برر ذلك بأسفه على عدم محو لوحه اليوم، ما يجعل منافسيه يسبقونه في الحفظ. اضطر الأب لمواساة ابنه: “قَثْهَلْشَذْ أَمٍّي لَذِوْذانْ إِمَقْرانَنْ أورْخَدْمَنْ لَخْمي هَلْشَنْ” = “في حالة المرض ليس هناك حرج من عدم الذهاب إلى الكتاب. الكبار بدورهم لا يخرجون إلى العمل في حالة المرض.”. تجلت السيارة الصغيرة من بعيد “هركات” يسمونها ويقصدون رونو أربعة، انتظر صادق وصولها بفارغ الصبر. ركبها رفقة أبيه لتنطلق ثانية في طريق غير معبّد تاركة غمامة من الغبار خلفها. الحفر الكثيرة والأحجار المنتشرة في الطريق تزيد في متعة الركوب لدى صادق. تميل السيارة يميناً وشمالاً كأنها أرجوحة. الجلوس على كرسي “الهركات” الوثير راق لصادق: لعن الأحجار والحصيرة التي ألف الجلوس عليها. تمنى لو كان هذا السفر بلا نهاية. أرسل بنظره إلى الخارج ليرى الأشجار والبنايات كلها تسير إلى الخلف بسرعة عجيبة. دخلت “الهركات” الطريق المعبدة. ما أجمل أن تحس بالسيارة تسير في ارتياح وبسرعة فائقة، بعد معاناة طويلة في الطريق البرية. شعور لم يحس به صادق قبل اليوم. ازدادت المتعة، الأشياء التي تجري إلى الخلف زادت سرعة. سيارات عديدة تسير في الاتجاه المعاكس وأخرى تمر في سرعة البرق متجاوزة “الهركات”. الكبار ارتاحوا بدورهم عند دخول الطريق المعبدة. قال أحدهم: ” اَبْرِذو ذالرَّحْمَثْ أَيامْرابَظْ” = “هذه الطريق رحمة من الله” زاد آخر : “لَذْهِرْكاتو ذالرَّحْمَثْ أَرَبّي” = “حتى “الهركات” رحمة ربانية”
وصلت السيارة إلى المدينة الكبيرة، نسي صادق محيطه داخل “الهركات”. انبهر برؤية هذا الكم الهائل من البنايات. كثرت المناظر والحوافز والناس على عقل صادق الصغير. ينظر يمينا وشمالا، ينظر إلى الخلف والأمام بعيون مستديرة ومتعطشة، يخشى أن يفوته شيء لا يراه. أصوات وضجيج لم يألفهما في الدوار. ترجل صادق رفقة أبيه تاركا المركبة تسير في اتجاه مجهول. استاء لهذا الفراق ليظهر الارتباك والتساؤل على محياه. طمأنه أبوه أنهم سيلتقون “بالهركات” لاحقا، لركوبها ثانية وقت العودة إلى الدوار، ودعها صادق في سره متمنيا لها وقتا سعيدا في المدينة. تتبع صادق بعيونه المستديرة وبتعجب بالغ حركات متشرد في الشارع. عليه ثياب رثة بشعر طويل أشعث ولحية متسخة تكسو معظم وجهه. عينان حمراوان بارزتان كأنه أكل طنا من البصل. يصيح مزمجراً وفي يده سكين كبير يهدد به المارة ويزرع الخوف والرعب في نفوسهم. شعر صادق بخوف شديد ينتابه، ليجد نفسه ملتصقاً بساق أبيه ومتشبثاً بتلابيب سرواله.
على جانب الشارع تراءت لصادق حديقة صغيرة فيها مجموعة من الورود والأزهار. انبهر وهو فاتح فاه لجمال ورونق زنبق مختلف ألوانه. تعرف على الخزامى المغروسة بنظام وإحكام، لم يعهده في البادية التي تزخر بكل ألوان الطيف في فصل الربيع. قرأ الأب تساؤلاً في عيون صادق. لكنه اكتفى بتنبيهه أن هذه الورود والأزهارتنتمي إلى حضارة النصارى الغريبة عليهم. “وَنّي ذَنوَارْ إرومَيَّنْ أَمّي” = “هذه أزهار النصارى يا ولدي” يقول الأب.
(يتبع)

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *